فهرس الكتاب

الصفحة 9121 من 28557

أما هذه الإشكالات التي تورد فهي في الحقيقة من سفه الإنسان، وقلة رشده، ومن قلة أدبه مع الله ورسوله، والذي ينبغي لنا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( اسلم تسلم) . ونحن نقول أيضًا: اسلم تسلم، لكن ليس المراد هنا الدخول في الإسلام، وإنما المراد: استسلم للنصوص، حتى تسلم.

المبحث الخامس: هل النزول من الصفات الفعلية أو من الصفات الذاتية؟

والجواب: النزول من الصفات الفعلية، لأنه فعل يتعلق بالمشيئة، وكل فعل يتعلق بالمشيئة فإنه من الصفات الفعلية.

وقد أنكر بعض الناس صفات الأفعال، وقال: صفات الأفعال لله باطلةً، ولا يمكن أن نثبت لله فعلًا يتعلق بمشيئته إطلاقًا؛ فلا ينزل؛ ولا يجيء يوم القيامة؛ ولا يتكلم بكلام محدث، ثم عللوا ذلك بشبهة عظيمة تنطلي على طالب العلم الصغير، حيث قالوا: إن هذا الفعل أو هذا الكلام، إن كان صفة كمال، وجب أن يتصف الله به دائمًا، وإن كان صفة نقص فإنه لا يجوز أن يوصف به، لأن الله منزه عن النقص.

فكل فعل اختياري لله يجب أن ننكره بزعمهم، ويقولون: إن الله لا تقوم به الأفعال الاختيارية؛ لأن هذه الأفعال إن كانت كمالًا وجب أن يكون الله متصفًا بها دائمًا، وإن كانت نقصًا لزم أن لا يتصف بها أبدًا.

والجواب على هذه الشبهة أن نقول لهم: إنها صفة كمال في محلها، والحكمة لا تقتضيها في غير محلها، فلو جاءت في غير محلها لكانت نقصًا، أرأيت لو أن ولدك أساء فضربته لكان ضربك إياه في ذلك الوقت حكمةً وكمالًا، لكن ضربك إياه وهو يطيع نقص.

فنقول: هذه الأفعال الاختيارية كمال لله في محلها الذي تقتضيه الحكمة،وفي غير محلها لا يمكن أن يتصف الله بها، لأنها في غير محلها لا تقتضيها الحكمة، والله سبحانه وتعالى أفعاله مقرونة بالحكمة، وبهذا تزول هذه الشبهة.

وليعلم أيضًا - وهذه فائدة مهمة - أن جميع ما يتشبث به أهل الباطل في إبطال الحق هو شبهات وليس بحجج، لقوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْه) (آل عمران: الآية 7) .

ونظير هذا من بعض الوجوه قول من قال من أهل الفلسفة: الدعاء لا فائدة منه فلا ندعو الله؛ لأنه إن كان قدر لنا شيئًا فسيحصل بدون دعاء، وإن كان الله لم يقدره فلن يحصل ولو دعونا. إذًا لا فائدةَ منه وعلمه بحالي كفاه عن سؤالي.

ونرد عليهم بشيء يسير تعرفه العجائز، فنقول: إن الله قدره بهذا الدعاء، وجعل له سببًا وهو الدعاء، وإلا فقل: أنا لن أتزوج، وإن كان الله قدر لي ولد فسيخرج من الأرض، وإن لم يُقدر لي ولد فلن يخرج ولو تزوجت مائة امرأة. ولا أحد يقول هذا الكلام.

كذلك الدعاء أيضًا، فإن الدعاء سبب لحصول المطلوب، فإذا وفقت للدعاء فقد وفقت للإجابة، لقوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: من الآية 60) وهذا نظيرٌ من بعض الوجوه لقول من يقول: إن أفعال الله الاختيارية لا يمكن إثباتها، لأنها إن كانت كمالًا وجب أن يتصف بها أزلًا وأبدًا، وإن كانت نقصًا وجب أن ينزه عنها أبدًا، نقول: هي كمال في محلها، وفي غير محلها لا تقتضيها الحكمة فلا تكون كمالًا. إذًا النزول من صفات الأفعال.

المبحث السادس: هل أحد من أهل القبلة خالف في تفسير النزول على ما قلناه؟

الجواب: نعم؛ فمنهم من قال (ينزل ربنا) : أي تنزل رحمة ربنا. ومنهم من قال (ينزل ربنا) : أي مَلك من ملائكته، وهؤلاء إنما قالوا ذلك لأنهم ينكرون النزول الحقيقي.

والرد على هؤلاء أن نقول:

أولًا: أن قولهم هذا مخالف لظاهر النص؛ لأن ظاهره أن الذي ينزل هو الله عز وجل.

ثانيًا: أن قولهم هذا مخالفٌ لصريح النص في قوله تعالى: (من يدعوني) إذ إن الملك لا يمكن أن يقول للخلق من يدعوني فأستجيب له، لأن هذا لا يقدر عليه إلا الله، ولو أن أحدًا قاله من الخلق لقلنا إنه نزل نفسه منزلة الخالق، والملائكة مكرمون عن هذا، فالملائكة يسبحون الله الليل والنهار لا يفترون، ويتبرؤون ممن يدعون غير الله.

وأيضًا فإذا قلنا: إن الرحمة هي التي تنزل إلى السماء الدنيا، فإن هذا من الغلط؛ لأن رحمة الله ليس غايتها السماء الدنيا، بل إن الرحمة تنزل إلى الأرض حتى تبلغ الخلق، وأي فائدة لنا إذا نزلت الرحمة إلى السماء الدنيا؟!

ثم إن الرحمة تنزل كل وقت، ولا تختص بثلث الليل الآخر، فإذا خصصناها بثلث الليل الآخر فمعنى ذلك أن يبقى الزمن أكثره بدون رحمة.

ثم إن الرحمة لا يمكن أن تقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه؛ لأن الرحمة صفة من صفات الله، ولو قالت هذا القول لكانت إلهًا مع الله، ولهذا لا يصح لنا أن ندعو صفات الله، حتى إن من دعا صفات الله فهو مشرك، فلو قال يا قدرة الله اغفر لي. يا مغفرة الله اغفر لي. يا عزة الله أعزيني. فهذا لا يجوز، بل هو شرك، لأنه جعل الصفة بائنة عن الموصوف، مدعوة دعاء استقلاليًا وهذا لا يجوز.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم (برحمتك استغيث) ، فهذا من باب التوسل، يعني استغيث بك برحمتك، فـ (الباء) هنا للاستغاثة والتوسل، وليست داخلة على المدعو حتى نقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا أو استغاث برحمة الله، لكن استغاث بالله لأنه رحيم، وهذا هو معنى الحديث الذي يتعين أن يكون معنى له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت