فهرس الكتاب

الصفحة 9202 من 28557

المتباينة لعالمه، سواء عالم الشهادة المنظور، أو عالم الغيب المتصور؛ أما العلمانية فقد شطرت المعرفة شطرين واعتمدت العقل وحده، فاعتبرت الإنسان قيمة مادية خالصة، وقضت على جانب محوري من كيان الإنسان ووجوده وهو الكيان الروحي. الوعي العلماني سيطر عليه العمه -وهو أشد من العمى- فحجب عنه الحقائق وأوقعه في مستنقع الانشطارية على نحو جعله يفهم الحياة بمقياس ناقص الأدوات وبنظرة عاجزة عن وعي منهج المعرفة القائم على الترابط، والتواصل والتكامل والاتصال؛ إن الخطأ القاتل الذي سقطت العلمانية في فخه، هو اعتقادها بسيادة العقل، وأن ليس ثمة حقيقة إلا وهي خاضعة للعقل، واعتباره المنهل الوحيد للمعرفة مصادرة بذلك كل آليات المعرفة الأخرى من وحي وتاريخ وفطرة، وفات على وعيها أن العقل لا يملك القدرة على الحكم على الأشياء إلا إذا حصرها بين جناحي الزمان والمكان، وثمة حقائق كبرى ليس مؤهلًا بوسائله الحسية المتاحة له أن ينظر فيها، فهو محدود لا يتصور غير المحدود بل هو عاجز عن استكناه أبعاد الكائن الإنساني؛ المنهج العلماني يحارب القيم الأخلاقية عبر القول بنسبية الأخلاق وخضوعها لعاملي الزمان والمكان وتباين ظروف الحياة.

إن القول بهذا هو من انتكاسات الفلسفة المادية فثبات القيم والأخلاق حقيقة أكدها الخطاب القرآني ولا سبيل إلى تجاوزها {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} . الفطرة لها دور استقلالي عن الزمان وليس ثمة تبديل لسنن الله في الخلق ولا تحويل؛ إن العلمانية -كجسم غريب على المجتمع الإسلامي- بكل تحدياتها ومفاهيمها الأيديولوجية إفراز لبيئة الغرب والتجربة العلمانية منيت بفشل ذريع في المكان الذي نبتت ونمت وترعرعت فيه، وعجزت عن إثبات فاعليتها في وطنها الذي تخلقت فيه!، فكيف يراد منها أن تكون صالحة في بيئة أخرى مباينة تمامًا من حيث المعطيات الحياتية والمقومات الفكرية؟! العلمانية عاشت في صيرورة تطورها انفصامًا نكدًا بين الدين والعقل على نحو لم ولن يرد في واقع فعلي على امتداد تاريخ حضارتنا الإسلامية، ومن هنا فمحاولة استنباتها في الواقع الإسلامي محاولة عابثة محكوم عليها بالفشل مقدمًا؛ مأساة العلمانية أنها منبوذة في سياق الوعي الثقافي العام، إلا من أقلية ضئيلة تردد - وبتكرار إمعي- كثيرًا مما لا تفقه له معنى!.

انشقاق هذه الأقلية الذين استطاع المنهج العلماني أن يجرفهم، حتى باتت عقولهم المتهالكة متخمة بالجهل العلماني، انشقاق هذه الأقلية عن بقية المجتمع ليس خسارة للمجتمع بل هو مكسب يضاف إلى رصيده، إنهم ليسوا إلا حمولًا ثقيلة تنزاح عن كاهل الجسد الاجتماعي المتضرر باصطحابها، إن المجتمع برمته لا يتشرف بانتمائهم إليه، بل يلفظهم، لأن ضررهم المتعدي أكبر من نفعهم، بل حتى نفعهم ليس واردًا بوجه من الوجوه، فالضرر سمة لازمة لهم لا تني ترافقهم، ولا تنفك عنهم بحال، إنهم ليسوا إلا نقاطًا كالحة السواد تدنس بياض الوجه الاجتماعي الذي يجب أن يحتفظ بنقائه بعيدًا عن هذا العنصر السرطاني؛ إنهم لا يضيفون شيئًا حتى للعلمانية ذاتها، وإن كان ثمة إضافة مّا، فهي محصورة في تكثير سوادها القطيعي!.

عشاق العلمانية لا ينخرطون في بنيتها العامة، لجاذبية تتوافر عليها، أو لأطر معرفية ذات بعد نوعي تطرحها، وإنما هو عشق للسلوك الموضوي فالموضة المناوئة للماضوي هي عنصر الاستقطاب في هذا المجال؛ العاشق العلماني لتضاؤل حصافته العقلية متيم بالعلمانية، وهذه عادة الجاهل، فهو عندما يحب يصاب بالعمى، فلا توسط لديه، بل يعشق حتى النخاع، ولذا فهو يتجاوب -نتيجة لهذا الزخم من الحب الأنثوي الذي يتملكه- بشكل أبله مع كل أطروحة علمانية، تجده مأخوذًا بشعاراتها عن حقيقتها، مسكونًا بوعودها الطوباوية، وجنتها الموهومة التي مكانها في الأذهان لا في الأعيان!؛ المتناغم مع العلمانية يؤتى من جهة تسطح تفكيره، وهذا يجلي لنا أن العلمانية لم تفرض ذاتها على مريديها (البسطاء) بفعل موضوعية منطقها الداخلي، ونقاء منتجها الأيديولوجي، وفعالية دورها في تجسيد التطور، وإنما بفعل ارتكاس متلقيها في أحط دركات الجهل، وضمور قدراته النقدية!؛ فثمة عقول ليست إلا قاعًا صفصفًا خاوية من العلم، متشبعة بنقيضه، هذا الجهل هو ما يجعل أحدهم

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت