الحديث:- أخرج البزار عن معاذ بن جبل أنه أتى الشام فرأى النصارى يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم ورهبانهم. ورأى اليهود يسجدون لأحبارهم وعلمائهم وفقهائهم , فقال لأي شيء تفعلون هذا؟ قالوا: هذه تحية الأنبياء قلت: فنحن أحق أن نصنع بنبينا صلى الله عليه وسلم. فلما قدم على نبي الله صلى الله عليه وسلم سجد له. فقال: ما هذا يا معاذ؟ فقال: إني أتيت الشام فرأيت النصارى يسجدون لأساقفتهم وقسيسيهم ورهبانهم وبطارقتهم. ورأيت اليهود يسجدون لأحبارهم وفقهائهم وعلمائهم, فقلت: لأي شيء تصنعون هذا؟ أو تفعلون هذا؟ قالوا هذه تحية الأنبياء. قلت فنحن أحق أن نصنع بنبينا صلى الله عليه وسلم. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: إنهم كذبوا على أنبيائهم كما حرفوا كتابهم. لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرآة أن تسجد لزوجها من عظم حقه). الحديث.
هذا على فرض صحته , وقد علم أن كثيرة من علماء الحديث قد ضعفوه وأيضا الألباني ضعفه في السلسلة الضعيفة (2)
لا أدري من أين جاء الفهم السقيم لأنه سجود عبادة وليس سجود تحية؟؟؟ مع أن النص واضح ولكن ...
سجود العبادة: وهو لا يجوز إلا لله عزوجل لقوله تعالى:"ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر, لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون"فصلت 37.
فمن سجد لغير الله - على نحو العبادة - كان مشركًا كافرًا بالله كائنا من كان. وفي حديث عمرو بن عبسة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال: (صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع, فإنها تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح ثم أقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم فإذا أقبل الفئ فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصرثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكافر) . (5)
وهذا النوع من السجود من الشرك المحرم منذ الأزل , لم يختلف تحريمه, ومن عصر إلى عصر , أو من أمة إلى أمة ,أو من رسالة نبي إلى آخر.
وعلامة هذا النوع من السجود أن يبذل على سبيل التدين والقربى للإله.
سجود التحية: وهو ذلك الإسلوب الذي يمارس على نحو أو آخر على سبيل التحية إلى الكبير لعظم فضله أو مكانته. وهذا النوع من السجود لم يكن محرمًا قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم , بل ذكر القرآن الكريم في مواضع عديدة منه نماذج لها مشيرًا إلى كونه كان مشروعًا , لا شيء فيه , ولا حرج , قال تعالى:
"وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين"البقرة 34.
وقال تعالى عن يوسف وإخوته:
"ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدًا"يوسف 100.
وبهذا يتبين خطأ من قال أن السجود كله كفرًا ما دام لغير الله.هذا هو سجود التحية وحكمه:
أنه كان مشروعًا في الأمم السابقة بدليل الآيات المشار إليها: ثم نهي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم , فمن بذله على نحو التحية بعد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مرتكبًا لمعصية الله عزوجل.
قال الجصاص رحمه الله في تفسير قوله تعالى:
"وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا"
(وقد كان السجود جائزًا في شريعة آدم عليه السلام للمخلوقين ويشبه أن يكون قد كان باقيًا إلى زمان يوسف عليه السلام فكان بينهم لمن يستحق ضربًا من التعظيم ويراد إكرامه وتبجيله بمنزلة المصافحة والمعانقة فيما بيننا وبمنزلة تقبيل اليد وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في إباحة تقبيل اليد أخبار وقد روى الكراهة , إلا أن السجود لغير الله على وجه التكريم والتحية ونسوخ بما روت عائشة وجابر ابن عبد الله وأنس أن النبي عليه السلام قال(ما ينبغي لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرآة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها.) لفظ حديث أنس بن مالك.) أ. هـ (1)
وعلامة هذا النوع من السجود أن يبذل على نحو التوقير والتحية لا على سبيل التدين (2) وقد وقع في تاريخ الإسلام مثل هذه الأمور من بعض ملوك المسلمين (3) على سبيل التحية, المنهى عنها بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذا كان الأمر كذلك. فهل كان سجود معاذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قبيل سجود العبادة أم التحية؟.
إن الحديث الشريف لدينا من صريح منطوقه أن معاذًا أتى الشام فوجد اليهود والنصارى يفعلون هذا لعلمائهم وأكابرهم ولما سألهم عن هذا قالوا: هذه تحية الأنبياء , قال: فنحن أحق أن نصنع بنبينا صلى الله عليه وسلم.
نعم هكذا قالوا إنها تحية الأنبياء, فاعتبر معاذ ابن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بها لأنها تحية الأنبياء ولم يكن قد نهى عنها هو ولا غيره من المسلمين. فسبحان الله , هذا هو الحديث بصحيح منطوقه , وهذا هو الصحابي الجليل معاذ ابن جبل:
أسأل الله أن ييسر لنا سبيل الحق ويزيل الغمام والشبهات