والآداب: باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره، والترمذي: (4/ 325) في البرِّ والصلة: باب ما جاء من شفقة المسلم على المسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.)، والجرح إنَّما أُجيزَ لضرورة تمييز الصحيح من السقيم، ومعرفةِ الثقة من الضعيف، والمقبول من المردود، و «الضرورة تقدَّر بقدرها» ، كما هو مُقرَّر في القواعد. وعليه؛ فلا يجوز التجريح بسببين أو ذَنبين مهما أمكن الاكتفاء بأحدهما، أي: الاقتصار على أدنى ما تندفع به الضرورة (7 - انظر ما نقله محمَّد عجَّاج الخطيب عن الإمام السخاوي في «فتح المغيث» من كتابه «الوجيز في علوم الحديث ونصوصه» :(237 - 238) .)، فضرورة بيان أحوال الرواة والدعاة ليس فيه غِيبة، وإنَّما في ذلك حفظ قواعد الدِّين بحفظ السُّنَّة وصيانتها من الدخيل، والعلماء استثنوا من الغِيبة أمورًا ستَّة، منها: التحذير للمسلمين من الاغترار، كجرح الرواة والشهود، ومن يتصدَّر للتدريس والإفتاء مع عدم أهليَّته، وكذلك من جاهر بالفسق أو بالبدعة فيجوز ذكرهم بما يجاهرون به دون غيره، للحديث الذي أخرجه مسلم: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ» (8 - أخرجه البخاري:(10/ 486) في الأدب: باب ستر المؤمن على نفسه. ومسلم: (18/ 119) في الزهد: باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.)، كالمكَّاسين وأهل الأهواء والْمُجُون والخلاعة. فالحاصل أنَّ الأمور الستّة المستثناة من الغِيبة قد جمعها بعضهم بقوله:
مُتَظَلِّمٍ وَمُعَرِّفٍ وَمُحَذِّرِ
طَلَبَ الإِعَانَةَ فِي إِزَالَةِ مُنْكَرِ (9 - «سبل السلام» : للصنعاني(4/ 370) ، «نهاية المحتاج» للرملي: (6/ 205) .)
القَدْحُ لَيْسَ بِغِيبَةٍ فِي سِتَّةٍ
وَلِمُظْهِرٍ فِسْقًا وَمُسْتَفْتٍ وَمَنْ
هذا؛ ولولا ضرورة التثبُّت والبحث لَمَا اقتحم هؤلاء العلماء هذا الباب الخطير، وما تجشَّموا من أجله أنواع الصعاب، ومختلف المكاره، كلُّ ذلك اعتقادًا راسخًا منهم أنَّ الكلام في الرواة وغيرِهم إنَّما هو وسيلةٌ لا غاية، باذلين قصارى جهودهم في تطبيق تلك القواعد التي التزموها منهجًا لهم في بيان الحقِّ، ولو على أنفسهم، مقتصرين على أحد الجوانب القادحة في العدالة التي تهمُّهم من غير توسُّعٍ، لأجل حفظ الدِّين والسُّنَّة مع مراعاة الحيطة في التجريح، والدِّقَّة في البحث، والنَّزاهة في الحكم، والأدب في نقد الرجال، وأن يكون بأمانة وإخلاص، الأمر الذي يقوِّي إيماننا باعتدالهم وتجرُّدهم واستقامتهم في نصحهم للمسلمين، والمحافظة على قواعد الدِّين، عملًا بقوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا? [الأحزاب:70 - 71] ، ففي الآية دليلٌ على وجوب الحرص على إصابة الصواب، ويدخل في «القول السديد» الكلام المتضمِّن للنصح والتنبيه بما هو الأصلح، والإشارة إلى كُلِّ طريق يوصل إلى الصواب، والتماس كلِّ وسيلة تعين عليه، كما يشمل لين الكلام، ولطفه في مخاطبة الأنام، في ميدان النصح والإعلام، والدعوة والتعليم، كما يتناول «القول السديد» الزجر والتبكيت والغلظة في ميدان التحذير لمن جاهر ببدعته، ودعا إليها، ونافح عنها.
أمَّا الحالة الأخرى؛ وهي التعريف بشخصية المطروق إليه لعقد ترجمة له، والنظر في مؤلَّفاته وكتبه، وما تحتويه من مادَّة علمية؛ فإنَّه لا يمنع من التعرُّض إلى محاسنه، ومزايا كتبه، وبالمقابل ينظر في مساوئه والأخطاء والأغلاط التي وقع فيها، فيذكر ما له من حقٍّ ليثبته، وما عليه من باطل ليردَّه، وذلك بعد فهم معاني ما تضمَّنته كتبه وأقواله بأمانة ونزاهة وصِدق وإنصاف؛ ذلك لأنَّ «ردّ الشيء قبل فهمه محال» كما قال الشافعي (10 - «المستصفى» : للغزالي(1/ 274) ، «الإبهاج» للسبكي: (3/ 188) .)، و «التجنِّي على الحقِّ بسبب الباطل ظلمٌ» ، وضمن هذا المنظور يقول الإمام ابن القيّم: « ... فلو كان كُلُّ من أخطأ، أو غلط تُرِك جملةً، وأُهدرت محاسنه لفسدت العلوم، والصناعات، والحكم، وتعطَّلت معالمها» (11 - «مدارج السالكين» لابن القيّم:(2/ 39) .).
(يُتْبَعُ)