فهرس الكتاب

الصفحة 9345 من 28557

قوله: {لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان} معناه لا تطيعوه، بدليل أن المنهي عنه ليس هو السجود له فحسب، بل الانقياد لأمره والطاعة له، فالطاعة عبادة، لا يقال فنكون نحن مأمورين بعبادة الأمراء حيث أمرنا بطاعتهم في قوله تعالى: {أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ} [النساء: 59] لأنا نقول طاعتهم إذا كانت بأمر الله، لا تكون إلا عبادة لله وطاعة له، وكيف لا ونفس السجود والركوع للغير إذا كان بأمر الله لا يكون إلا عبادة لله، ألا ترى أن الملائكة سجدوا لآدم ولم يكن ذلك إلا عبادة لله، وإنما عبادة الأمراء هو طاعتهم فيما لم يأذن الله فيه، فإن قيل بماذا تعلم طاعة الشيطان من طاعة الرحمن، مع أنا لا نسمع من الشيطان خبرًا ولا نرى منه أثرًا؟ نقول عبادة الشيطان في مخالفة أمر الله أو الإتيان بما أمر الله لا لأنه أمر به، ففي بعض الأوقات يكون الشيطان يأمرك وهو في غيرك، وفي بعض الأوقات يأمرك وهو فيك، فإذا جاءك شخص يأمرك بشيء، فانظر إن كان ذلك موافقًا لأمر الله أو ليس موافقًا، فإن لم يكن موافقًا فذلك الشخص معه الشيطان يأمرك بما يأمرك به، فإن أطعته فقد عبدت الشيطان، وإن دعتك نفسك إلى فعل فانظر: أهو مأذون فيه من جهة الشرع أو ليس كذلك، فإن لم يكن مأذونًا فيه فنفسك هي الشيطان، أو معها الشيطان يدعوك، فإن اتبعته فقد عبدته، ثم إن الشيطان يأمر أولًا بمخالفة الله ظاهرًا، فمن أطاعه فقد عبده ومن لم يطعه فلا يرجع عنه، بل يقول له أعبد الله كي لا تهان، وليرتفع عند الناس شأنك، وينتفع بك إخوانك وأعوانك، فإن أجاب إليه فقد عبده. لكن عبادة الشيطان على تفاوت، وذلك لأن الأعمال منها ما يقع والعامل موافق فيه جنانه ولسانه وأركانه، ومنها ما يقع والجنان واللسان مخالف للجوارح أو للأركان، فمن الناس من يرتكب جريمة كارهًا بقلبه لما يقترف من ذبنه، مستغفرًا لربه، يعترف بسوء ما يقترف، فهو عبادة الشيطان بالأعضاء الظاهرة، ومنهم من يرتكبها وقلبه طيب ولسانه رطب، كما أنك تجد كثيرًا من الناس يفرح بكون مترددًا إلى أبواب الظلمة للسعاية، ويعد من المحاسن كونه ساريًا مع الملوك ويفتخر به بلسانه، وتجدهم يفرحون بكونهم آمرين الملك بالظلم والملك ينقاد لهم، أو يفرحون بكونه يأمرهم بالظلم فيظلمون، فرحين بما ورد عليهم من الأمر، إذا عرفت هذا فالطاعة التي بالأعضاء الظاهرة، والبواطن طاهرة مكفرة بالأسقام والآلام، كما ورد في الأخبار.

ـ [أبو شعيب] ــــــــ [31 - Dec-2008, صباحًا 07:19] ـ

يقول ابن القيم الجوزية في [مدارج السالكين: 1/ 337] :

والقصد: أن المعاصي كلها من نوع الكفر الأصغر، فإنها ضد الشكر، الذي هو العمل بالطاعة. فالسعي: إما شكر، وإما كفر، وإما ثالث لا من هذا ولا من هذا، والله أعلم.

ـ [أفلااطون] ــــــــ [31 - Dec-2008, صباحًا 08:02] ـ

الصحيح أن الإشكال يقع عند من لا يفرق بين"الشرك"لغة و"الشرك"المقصود عند الإطلاق شرعا , وتحقيق ذلك باختصار أن يقال:

إن كان المقصود بقولك (هل كل معصية شرك ... ؟) الشرك بمعناه اللغوي: فـ نعم.

وإن كان مقصودك بهذا السؤال: الشرك المقصود عند الإطلاق في النصوص فالجواب: لا.

إذ لوكانت كل معصية شركا لكان قوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ... ) أي: إن الله لا يغفر أن يُعصى ويغفر ما دون المعصية , وهذا فيه ما لا يخفاك , ولكان قوله صلى الله عليه وسلم كما في مسلم من حديث جابر (من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة) أي: من مات لا يعصي الله دخل الجنة , وهو كسابقه , ولكان قوله في حديث معاذ رضي الله عنه كما في الصحيحين (حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا .... حق العباد على الله إذا فعلوه أن لا يعذبهم) أي: يعبدوه ولا يعصوه أبدا , فإذا فعلوا ذلك لم يعذبهم , وهذا التأويل لا يتناسب وقول معاذ: أفلا أبشر الناس , ولا مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تبشرهم فيتكلوا.

فتأمل.

ـ [أبو شعيب] ــــــــ [06 - May-2009, صباحًا 06:17] ـ

السلام عليكم،

المعصية ليست شركًا بالمعنى اللغوي .. كيف تكون كذلك لغة؟ هل لك أن تبيّن ذلك؟ فمنذ متى كان العصيان يعدل الشرك لغة؟

أما شرعًا، فحال القلب الذي حمل على هذه المعصية هو شرك أصغر، كما بيّنه العلماء، وكما هو متقرر شرعًا.

إذ أن الطاعة عبادة، فمن أطاع غير الله في معصية الله، فقد وقع في الشرك.

أما النصوص التي أتيتَ بها، فهي مقيّدة بنصوص أخرى تبيّنها، وتبيّن أن معنى الشرك هنا هو الشرك الأكبر.

يقول ابن تيمية - رحمه الله - في [مجموع الفتاوى: 7/ 82] :

وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ} : إنْ أَرَادَ بِهِ الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ، فَمَقْصُودُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ فَهُوَ آمِنٌ مِمَّا وُعِدَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهُوَ مُهْتَدٍ إلَى ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ جِنْسَ الشِّرْكِ؛ فَيُقَالُ: ظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ، كَبُخْلِهِ - لِحُبِّ الْمَالِ - بِبَعْضِ الْوَاجِبِ، هُوَ شِرْكٌ أَصْغَرُ، وَحُبُّهُ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ، حَتَّى يَكُونَ يُقَدِّمُ هَوَاهُ عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ: شِرْكٌ أَصْغَرُ؛ وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَهَذَا صَاحِبُهُ قَدْ فَاتَهُ مِنْ الْأَمْنِ وَالِاهْتِدَاءِ بِحَسَبِهِ، وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يُدْخِلُونَ الذُّنُوبَ فِي هَذَا الظُّلْمِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ

هذا، والله أعلم

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت