فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الْخَوْفُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَحَبَّةِ، وَكَذَا الرَّجَاءُ وَغَيْرُهُ. فَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ الَّذِي لَا يَكَادُ أَحَدٌ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الشِّرْكَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ. وَطَرِيقُ التَّخَلُّصِ مِنْ هَذِهِ الْآفَاتِ كُلِّهَا الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} وَلَا يَحْصُلُ الْإِخْلَاصُ إلَّا بَعْدَ الزُّهْدِ، وَلَا زُهْدَ إلَّا بِتَقْوَى، وَالتَّقْوَى مُتَابَعَةُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
وقد جاء في الحديث عند ابن حبان: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل ) ). فقال أبو بكر: فكيف الخلاص منه يا رسول الله؟ قال: (( أن تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم ) ).
ووجه خفائه أنه بالكاد يفطن إليه الإنسان حتى يكاد يُعدم علمه، وهذا أكثر ما يكون في الأحوال القلبية وخوالج الصدور، فأمر الرسول (ص) بالاستغفار مما لم يبلغه علمه منها.
وهذا، مع تسمية الرسول (ص) له شركًا، فإن ما يكفي منه هو فقط الاستغفار، كما يستغفر من سائر الذنوب
أما جواب سؤالك الثاني: فإن الشرك الحامل على الكبيرة أعظم من الشرك الحامل على الصغيرة، مع كونهما في نفس الأمر من الشرك الأصغر، إلا أن الشرك الأصغر يتفاوت من صغير إلى أصغر، بحسب ما يحمل عليه من معصية.
فعليه لا تتساوى الكبيرة والصغيرة في باب الشرك الأصغر.
فالجواب هو: لا، لا يلزمه التوبة من الصغائر كما يتوب من الكبائر.
أما قولك إن الشرك الأصغر أعظم من الكبائر، ففي ذلك نظر .. ومتكأ من قال بذلك هو قول ابن مسعود 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا.
مع أن الرسول (ص) جعل شهادة الزور شركًا، فقد جاء في الحديث: صلى رسول الله (ص) صلاة الصبح، فلما انصرف قام قائمًا فقال: عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله - ثلاث مرات -، ثم قرأ: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (*) حنفاء لله غير مشركين به} .
قال ابن تيمية - رحمه الله - في [مجموع الفتاوى: 14/ 169] :
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: {عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ - قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا - ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} وَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ قَوْلِ زُورٍ، بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ، وَعَلَى أَيْ صِفَةٍ وُجِدَ. فَلَا يَقُولُهُ الْعَبْدُ، وَلَا يَحْضُرُهُ، وَلَا يَسْمَعُهُ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ. والزُّورُ هُوَ الْبَاطِلُ الَّذِي قَدْ ازْوَرَّ عَنْ الْحَقِّ وَالِاسْتِقَامَةِ، أَيْ تَحَوَّلَ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شَهَادَةَ الزُّورِ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمُظَاهِرِينَ مِنْ نِسَائِهِمْ {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} .
وليس في كلام ابن مسعود 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - ما يبيّن أنه يؤثر الحلف بالله كاذبًا، يمينًا غموسًا، التي جاء الوعيد الشديد فيها، على الحلف بغيره صادقًا ..
فاليمين الغموس هي ما تُفعل لسلب حق الغير أو ظلمه بغير وجه حق، أما مجرد الحلف كاذبًا فليس يمينًا غموسًا .. وهذا ردّ على بعض المشايخ الذين جعلوا قصد ابن مسعود 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - اليمين الغموس، فقالوا بعِظم الشرك الأصغر على كبائر الذنوب.
ولو كان مقصود ابن مسعود 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - تعظيم الشرك الأصغر على الكبائر، لكان الأولى به أن يقول: لأن ألقى الله تعالى بكل ذنب خلا الشرك، من قتل وسرقة وزنى وتول يوم الزحف، أحبّ لي من أن أحلف بغيره صادقًا.
هذا، مع كون الحلف بالله كاذبًا استهانة بعظمة الله تعالى، وحسبك ذلك كفرًا أصغر.
ولكن في كلامه وجوه:
منها: أنه قصد بذلك إظهار خطورة الشرك، وجلالة التوحيد وعِظم قدره، ولم يعنِ حقيقة المقارنة بين الحلف بالله كاذبًا والحلف بغيره صادقًا ..
ومنها: أنه إن كان يعني حقيقة المقارنة، فهي مقارنة نوعية .. بمعنى: أنه قابل الحلف بالحلف .. ولم يقابله بغير جنسه .. فلا يصح أن يقول مثلًا: الحلف بغير الله أعظم عند الله من القتل!! .. هذا لا يقوله أحد.
فإن كان كذلك، كان نفس الإثم إن خالطه شرك، أعظم منه مجردًا منه.
هذا، والله أعلم
ـ [أبو شعيب] ــــــــ [08 - May-2009, صباحًا 07:06] ـ
اخي الكريم ابو شعيب اثابك الله الجنه على هذا الطرح القيم
و نفع بك
بارك الله فيك وجزاكم الله خيرًا .. أسأل الله لي ولك القبول