فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فنقول: ما أشبه الليلة بالبارحة، فلا جرم قد قالها الذين من قبلهم لما نهاهم أهل الحق عن الغلو في الدين،
قالوا لمن نهاهم: يا أعداء الله قد داهنتم في الدين (18) وهم يزعمون أنهم ما فعلوا ذلك إلا من أجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، تشابهت قلوبهم.
وأما قولهم: الإخوان علمونا ملة إبراهيم وبينوها، والمشايخ كتموها ودفنوها. فنقول: إن كان هذا حقا فسيجازيهم الله على ذلك. لكنهم مع ذلك قد سلكوا بهم مسلك أهل البدع، وتجاوزوا بهم الحد في الأقوال والأفعال، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، فإن كان هذا هو ملة إبراهيم فقد أعظموا على الله الفرية وعلى ملة إبراهيم.
وأما قولهم: ما أطاع الإمام المشايخ إلا لسكوتهم عنه للمآكل والأغراض. فنقول: هذا
-أيضا - من جنس ما قبله من الطعن على الإمام وعلى المشايخ بالزور والبهتان.اهـ.
2 -فصل في الغلو في العمل:
والغلو في العمل: تشديد المسلم على نفسه في عمل طاعة من غير ورود الشرع بذلك: كالذي يجعل حبلا يتعلق به إذا فتر عن قيام الليل، ونحوه،
فإن هذا العمل غير ناتج عن عقيدة فاسدة، وإنما قد يظن المكلف أن ذلك زيادة خير.
فإن صاحب هذا العمل عقيدة فاسدة فهو الغلو الاعتقادي الذي تقدم ذكره، كحالة بعض المنتسبين إلى التصوف، ممن يعتقد أن تعذيب النفس في الطاعة مطلقا من أفعال الخير والهدى.
ولما كان هذا النوع من الغلو قد يدخل في نفس بعض المجتهدين في العبادة، عالجه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بأساليب متعددة،
تارة بالعموم، وتارة بتوجيه من وقع فيه إلى خطأ فعله، وما كان من الصحابة رضي الله عنهم إلا التسليم المطلق لرسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ففي سنن الترمذي (19) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إِنَّ رَجًُلا َأتَى النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي إَِذا َأصَبْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنِّسَاءِ، وََأخَ َ ذتْنِي شَهْوَتِي، َفحَرَّمْتُ عََليَّ اللَّحْمَ، َفَأنْزَل اللَّهُ ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ?» (20) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب .. اهـ. وحسنه الشاطبي في"الاعتصام" (21)
ومثل هذه الحادثة كثير، فيوجه النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ من وقع منه ذلك إلى البعد عنه، والحذر منه.
وقد روى ا بن جرير الطبري في"تفسيره" (22) عن أبي قلابة قال: َأرَادَ ُأنَاسٌ مِنْ َأصْحَابِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أن يَرْفُضُوا الدُّنْيَا، وَيَتْرُكُوا النِّسَاءَ وَيَتَرَهَّبُوا. َفقَامَ رَسُول اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ َفغَلَّظ فِيهِمُ الْمََقاَلةَ، ُثمَّ قَال: إِنَّمَا هََلكَ مَنْ كَان َقبَْلكمْ بِالتَّشْدِيدِ، شَدَّدُوا عََلى َأنْفُسِهِمْ َفشَدَّدَ اللَّهُ عََليْهِمْ، ُأوَلئِكَ بََقايَاهُمْ فِي الدِّيَارِ وَالصَّوَامِعِ، اعْبُدُوا اللَّهَ وَ َلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيًْئا، وَحُجُّوا وَاعْتَمِرُوا، وَاسْتَقِيمُوا يَسْتَقِمْ َلكمْ"قال: ونزلت فيهم: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ? (23) "
قال الشاطبي رحمه الله في"الاعتصام" (24) الاقتصار على الشبع في المأكول من غير عذر تنطع والاقتصار في الملبوس على الخشن من غير ضرورة، من قبيل التشديد والتنطع المذموم، وفيه أيضا من قصد الشهرة ما فيه. وقد روي عن الربيع بن زياد الحارثي: أنه قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ا عدني على أخي عاصم.قال: ما باله؟ قال: لبس العباء يريد النسك. فقال على رضي الله عنه علي به فأتى به مؤتزرا بعباءة، مرتديا بالأخرى، شعث الرأس واللحية. فعبس في وجهه، وقال: ويحك! أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أترى الله أباح لك الطيبات، وهو يكره أن تنال منها شيئا؟ بل أنت أهون على الله من ذلك، أما سمعت الله يقول في كتابه: ? وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ? (25) إلى قوله: ? يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ? (26) أفترى الله أباح لعباده إلا ليبتذلوه، ويحمدوا الله عليه، فيثيبهم عليه؟ وإن ابتذالك نعم الله بالفعل خير
(يُتْبَعُ)