فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
-أحبتي في الله: من الابتلاءات التي ابتلينا بها في هذه الأيام بلية العلمانية والعلمانيين , هؤلاء العلمانيون الذين قصروا مهمة الميزان الرباني على مفهوم العبادة وحسب , اما فيما يتعلق ببقية شؤون الحياة فلا يزنون يالميزان الرباني , وإنني أعجب منهم - إن كانوا مسلمين- كيف يفعلون هذا والله يقول:"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا"ويقول أيضا:"وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ", ومع وضوح الأدلة وضوح الشمس في رابعة النهار , ترى كثيرا ممن ينتسبون للعلم يدافعون عنهم وعن مشروعهم مدافعة الأبطال , ألا فلا نامت أعين الجبناء.
-أحبتي في الله: الميزان الرباني , هو ميزان يحكم بالعدل بين الناس , كل الناس , فهو لا يفرق في حكمه بين قريب وبعيد , ولا بين غني وفقير, ولا بين شريف ووضيع , ولابين قوي وضعيف , ولا بين مسلم وكافر , هو لا يعرف مبدأ الوزن بميزانيين ولا الكيل بمكيالين كذلك , هو ميزان يقوم على العدل حتى مع الأعداء البغضاء على قلوبنا , قال الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ", هو ميزان لا يعرف الواسطة , بل إنه يرى في الواسطة سببا من أسباب الهلاك والتبار والدمار , يدل على هذا الفهم ما أخرجه أبو داوود وصححه الألباني من حديث عائشة رضي الله عنها:"أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم فيها تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا ومن يجترئ إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فاختطب فقال إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"
-إخوة التوحيد والإيمان: لا بد أن نعلم أن سلفنا الصالح إنما عزوا لما وزنوا أمور حياتهم بهذا الميزان العادل , وضعوا الدنيا في كفة , والآخرة في كفة , فرجحوا كفة الآخرة , وصبروا على لأواء ترجيحهم هذا , وضعوا المصلحة الدنوية في كفة , والمصلحة الأخروية في كفة , ثم رجحوا كفة المصلحة الأخروية , وصبروا على المشاق التي نالت منهم بسبب هذا الترجيح , وضعوا الهوى في كفة , والدليل الشرعي في كفة , ثم رجحوا الدليل الشرعي على الهوى , وصبروا على المتاعب التى تلبست بهم من وراء هذا الترجيح , وضعوا طاعة المخلوق في كفة , وطاعة الخالق في كفة , ثم رجحوا طاعة الخالق , وصبروا على البلاءات التي تصادمت معهم من جراء هذا الترجيح , وضعوا حب الخالق في كفة , وحب المخلوق في كفة , ثم رجحوا حب الخالق , وصبروا على العذابات التي أصابتهم بسبب ما رجحوا , إنهم وباختصار رجحوا رضوان الله على رضوان غيره , والا نتماء لله على الانتماء لغيره , وعبودية الله على العبودية لغيره , إنهم وبكل بساطة رجحوا الله على من سواه , إن سلفنا إنما كان كذلك لأنه أجاب الله لما قال:"والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ"وأجابوه كذلك لما قال:"قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ"وأجابوه كذلك لما قال:"كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ"وأجابوه كذلك لما قال:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ"وأجابوه كذلك في كل ما أمر به أو نهى عنه في الكتاب والسنة , لذلك أعزهم ونصرهم وأيدهم رب العالمين سبحانه وتعالى.
-إخواني الموحدين: هذه كلمات آمنت بها , واعتقدت أن الحق في قولها ونشرها, ولا أدعي العصمة , فهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وللمنهج الذي جاء به من عند ربه حال حياته ومن بعده , ما كان في هذا المقال من صواب فمن الله وحده , ما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان , ما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء, إلا ما رحم ربي , وأستغفر الله إنه كان غفارا, وأما الخطأ فأرجع عنه ولا أتعصب له , إذا دل الدليل الساطع عليه , وأسأله تعالى أن يلهمني رشدي والمسلمين , وأن يثبتني على الحق إلى ان ألقاه , إنه ولي ذلك والقادر عليه , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم:ابو يونس العباسي
مدينةالعزة غزة رجب 1429ه