فغايته أن يكون الله خالقا لمن يشبهه بوجه , وأنتم قد جعلتم العبد قادرا على أن يتشبه بالله بوجه؛ فإن كان التشبه بالله باطلا من كل وجه ولا يمكن الموجود أن يشبهه بوجه من الوجوه فتشبيهكم أنكر من تشبيه أهل الكتاب لأنكم جعلتم العبد قادرا على ان يتشبه بالرب وأولئك أخبروا عن الرب أنه قادر على أن يخلق ما يشبهه.
فكان في قولكم إثبات التشبيه وجعله مقدورا للعبد وأولئك مع إثبات التشبيه إنما جعلوه مقدورا للرب فأي الفريقين أحق بالذم والملام؟ أنتم أم أهل الكتاب؟ إن كان مثل هذا التشبيه منكرا من القول وزورا وإن لم يكن منكرا من القول وزورا فأهل الكتاب أقوم منكم لأنهم تبعوا ألفاظ النصوص الإلهية التي أثبتت مقدورا لرب البرية وانتم ابتدعتم ما ابتدعتم بغير سلطان من الله.
وأيضا فيقال: إنه ما من موجودين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميز فإنهما لا بد أن يشتركا في أنهما موجودان ثابتان حاصلان وأن كلا منهما له حقيقة: هي ذاته ونفسه وماهية حتى لو كان الموجودان مختلفين اختلافا ظاهرا كالسواد والبياض فلا بد أن يشتركا في مسمى الوجود والحقيقة ونحو ذلك بل وفيما هو أخص من ذلك مثل كون كل منهما لونا وعرضا وقائما بغيره ونحو ذلك وهما مع هذا مختلفان.
وإذا كان بين كل موجودين جامع وفارق فمعلوم أن الله تعالى ليس كمثله شيء: لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله فلا يجوز أن يثبت له شيء من خصائص المخلوقين ولا يمثل بها ولا أن يثبت لشيء من الموجودات مثل شيء من صفاته ولا مشابهة في شيء من خصائصه سبحانه عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وإذا كان المثل هو الموافق لغيره فيما يجب ويجوز ويمتنع فهو سبحانه لا يشاركه شيء فيما يجب له ويمتنع عليه ويجوز له وإذا أخذ القدر المطلق الذي يتفق فيه الخالق والمخلوق مثل: مسمى الوجود والحقيقة والعالم والقادر ونحو ذلك فهذا لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان والمخلوق لا يشارك مخلوقا في شيء من صفاته فكيف يكون للخالق شريك في ذلك؟ لكن المخلوق قد يكون له من يماثله في صفاته والله تعالى لا مثل له أصلا والقدر المشترك المطلق كالوجود والعلم والحقيقة ونحو ذلك لا يلزمه شيء من صفات النقص الممتنعة على الله تعالى فما وجب للقدر المطلق المشترك لا نقص فيه ولا عيب وما نفي عنه فلا كمال فيه وما جاز له فلا محذور في جوازه.
وأما ما يتقدس الرب تعالى ويتنزه عنه من النقائص والآفات فهي ليست من لوازم ما يختص به ولا من لوازم القدر المشترك الكلي المطلق أصلا بل هي من خصائص المخلوقات الناقصة والله تعالى منزه عن كل نقص وعيب وهذه معاني شريفة بسطت في غير هذا الموضع.
درء التعارض (2>355)
والله أعلم
ـ [أبو يعلى البيضاوي] ــــــــ [14 - Nov-2010, مساء 12:04] ـ
قال الإمام ابن القيم -رحمة الله عليه-:
وها هنا سر بديع وهو: أن من تعلق بصفة من صفات الرب تعالى أدخلته تلك الصفة عليه وأوصلته إليه، والرب تعالى هو الصبور، بل لا أحد أصبر على أذى سمعه منه، وقد قيل: إن الله سبحانه أوحى إلى داود: «تخلَّق بأخلاقي، فإن من أخلاقي أني أنا الصبور» .
والرب تعالى يحب أسماءه وصفاته، ويحب مقتضى صفاته وظهور آثارها في العبد، فإنه جميل يحب الجمال، عفو يحب أهل العفو، كريم يحب أهل الكرم، عليم يحب أهل العلم، وتر يحب أهل الوتر، قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، صبور يحب الصابرين، شكور يحب الشاكرين، وإذا كان سبحانه يحب المتصفين بآثار صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف، فهذه المعية الخاصة عبّر عنها بقوله: «كنت له سمعا، وبصرا، ويدا، ومؤيدا» . اهـ
عدة الصابرين (ص 85، 86 - ط عالم الفوائد) .
منقول ( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showpost.php?p=1356716&postcount=11)
ـ [أبو سفيان الأثرى] ــــــــ [14 - Nov-2010, مساء 05:58] ـ
هل صفات الله تسمى أخلاق؟!!
ـ [أبوعبدالعزيزالتميمي] ــــــــ [14 - Nov-2010, مساء 07:09] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
التخلق بأخلاق الله:
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ: ع. س ح. سلمه الله وتولاه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
كتابكم الكريم المؤرخ في 23\ 3 \ 1386 هـ وصل، وصلكم الله بهداه، وما تضمنه من السؤال عما قاله بعض الخطباء في خطبة الجمعة من الحث على الاتصاف بصفات الله والتخلق بأخلاقه هل لها محمل وهل سبق أن قالها أحد ... إلخ - كان معلوما.
والجواب: هذا التعبير غير لائق , ولكن له محمل صحيح وهو الحث على التخلق بمقتضى صفات الله وأسمائه وموجبها , وذلك
وإليك نص كلامه في العدة والوابل.
قال في العدة صفحة 310: ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر , كما أن أبغض خلقه إليه من عطلها أو اتصف بضدها , وهذا شأن أسمائه الحسنى , أحب خلقه إليه من اتصف بموجبها , وأبغضهم إليه من اتصف بضدها , ولهذا يبغض الكفور والظالم والجاهل والقاسي القلب , والبخيل والجبان والمهين واللئيم , وهو سبحانه جميل يحب الجمال , عليم يحب العلماء , رحيم يحب الراحمين , محسن يحب المحسنين , ستير يحب أهل الستر , قادر يلوم على العجز , والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف , عفو يحب العفو , وتر يحب الوتر , و كل ما يحبه من آثار أسمائه وصفاته وموجبها , وكل ما يبغضه فهو مما يضادها وينافيها) ا. هـ.
وقال في الوابل الصيب صفحة 543 من مجموعة الحديث:(والجود من صفات الرب جل جلاله , فإنه يعطي ولا يأخذ ,
ويطعم ولا يطعم , وهو أجود الأجودين , وأكرم الأكرمين , وأحب الخلق إليه من اتصف بمقتضيات صفاته , فإنه كريم يحب الكرماء من عباده , وعالم يحب العلماء , وقادر يحب الشجعان , وجميل يحب الجمال). انتهى.
وأرجو أن يكون فيما ذكرناه كفاية , وحصول للفائدة , وأسأل الله سبحانه أن يوفقنا جميعا للفقه في دينه والقيام بحقه إنه سميع قريب , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(يُتْبَعُ)