ـ [السكران التميمي] ــــــــ [14 - Nov-2010, مساء 10:12] ـ
التعبير بـ (أخلاق الله) ؛ هو تعبير مجازيٌ يقصد به مشاركة المخلوق للخالق في مسمى صفاته سبحانه وتعالى مع مضمونها مع التمايز بينهما؛ فتكون هذه المشاركة عبارة عن خلق يتخلق به هذا المخلوق أو ذاك؛ لأنه طبق ما الله يفعله سبحانه في صفاته، ولكن بقدرة المخلوق وطاقته وإمكانياته.
فالله لا يرى المحرم؛ فالمخلوق يتبع الله في صفة البصر فلا يرى المحرم، والله لا يسمع الحرام؛ فالمخلوق يتبع الله سبحانه في صفة السمع فلا يسمع للحرام، والله كريم، عفور، رحيم؛ وهكذا.
فلذلك قال الكلاباذي في (التعرف لمذهب أهل التصوف ص: 5) :
(وَهَذَا الفناء هُوَ الَّذِي عبر عَنهُ الحَدِيث النبوى:"تخلقوا بأخلاق الله"؛ وصوره الحَدِيث الْقُدسِي: كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ، وبصره الَّذِي يبصر بِهِ.
وَبِهَذَا الفناء يحس الصُّوفِي إحساس ذوق ووجدان وقلب وروح بِأذن الله سُبْحَانَهُ مَعَه وَفِي ضَمِيره وحركاته وكلماته).
فلذلك عقد الغزالي في المقصد الأسنى (ص: 45) فصلًا؛ فقال:
(الْفَصْل الرَّابِع: فِي بَيَان أَن كَمَال العَبْد وسعادته فِي التخلق بأخلاق الله تَعَالَى، والتحلي بمعاني صِفَاته وأسمائه بِقدر مَا يتَصَوَّر فِي حَقه) .
فأنت تجد أنهم عبروا عن صفات الله؛ بأنها أخلاق؛ لكن ليست بمعنها الحرفي وأنها عائدة على الله نفسه؛ بل هم أرادوا أنها أخلاقٌ عندما يتصف المخلوق بمضمون معاني صفات الله سبحانه وتعالى.
فلذلك قال الغزالي موضحًا هذا الاشكال وأنه قد يفهم على غير معناه _ كما يزعم _ في كتابه السابق المقصد الأسنى (ص: 150) :
(اعْلَم أَنه إِنَّمَا حَملَنِي على ذكر هَذِه التَّنْبِيهَات ردف هَذِه الْأَسَامِي وَالصِّفَات قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:"تخلقوا بأخلاق الله تَعَالَى"، وَقَوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام:"إِن لله كَذَا وَكَذَا خلقا من تخلق بِوَاحِد مِنْهَا دخل الْجنَّة"، وَمَا تداولته أَلْسِنَة الصُّوفِيَّة من كَلِمَات تُشِير إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ؛ لَكِن على وَجه يُوهم عِنْد غير المحصل شَيْئا من معنى الْحُلُول والاتحاد. وَذَلِكَ غير مظنون بعاقل فضلا عَن المتميزين بخصائص المكاشفات.
وَلَقَد سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عَليّ الفارمذي يَحْكِي عَن شَيْخه أبي الْقَاسِم الكركاني قدس الله روحهما أَنه قَالَ: إِن الْأَسْمَاء التِّسْعَة وَالتسْعين تصير أوصافا للْعَبد السالك وَهُوَ بعد فِي السلوك غير وَاصل. وَهَذَا الَّذِي ذكره إِن أَرَادَ بِهِ شَيْئا يُنَاسب مَا أوردناه فَهُوَ صَحِيح، وَلَا يظنّ بِهِ إِلَّا ذَلِك وَيكون فِي اللَّفْظ نوع من التَّوَسُّع والاستعارة، فَإِن مَعَاني الْأَسْمَاء هِيَ صِفَات الله تَعَالَى وَصِفَاته لَا تصير صفة لغيره، وَلَكِن مَعْنَاهُ أَنه يحصل لَهُ مَا يُنَاسب تِلْكَ الْأَوْصَاف، كَمَا يُقَال: فلَان حصل علم أستاذه، وَعلم الْأُسْتَاذ لَا يحصل للتلميذ بل يحصل لَهُ مثل علمه.
وَإِن ظن ظان أَن المُرَاد بِهِ لَيْسَ مَا ذَكرْنَاهُ = فَهُوَ بَاطِل قطعا، فَإِنِّي أَقُول: قَول الْقَائِل: إِن مَعَاني أَسمَاء الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى صَارَت أوصافا لَهُ؛ لَا يَخْلُو:
إِمَّا أَن يَعْنِي بِهِ عين تِلْكَ الصِّفَات أَو مثلهَا، فَإِن عَنى بِهِ مثلهَا فَلَا يَخْلُو: إِمَّا عَنى بِهِ مثلهَا مُطلقًا من كل وَجه، وَإِمَّا أَنه عَنى بِهِ مثلهَا من حَيْثُ الِاسْم والمشاركة فِي عُمُوم الصِّفَات دون خَواص الْمعَانِي، فهذان قِسْمَانِ.
وَإِن عَنى بِهِ عينهَا؛ فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَن يكون بطرِيق انْتِقَال الصِّفَات من الرب إِلَى العَبْد، أَو لَا انْتِقَال. فَإِن لم يكن بالانتقال؛ فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَن يكون باتحاد ذَات العَبْد بِذَات الرب حَتَّى يكون هُوَ هُوَ فَتكون صِفَاته، وَإِمَّا أَن يكون بطرِيق الْحُلُول. وَهَذِه أَقسَام ثَلَاثَة؛ وَهُوَ: الِانْتِقَال، والاتحاد، والحلول، وقسمان مقدمان.
فَهَذِهِ خَمْسَة أَقسَام الصَّحِيح مِنْهَا قسم وَاحِد؛ وَهُوَ: أَن يثبت للْعَبد من هَذِه الصِّفَات أُمُور تناسبها على الْجُمْلَة وتشاركها فِي الِاسْم وَلَكِن لَا تماثلها مماثلة تَامَّة كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي التَّنْبِيهَات) .. وذكر كلامًا كثيرا.
(يُتْبَعُ)