?إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيّ? [يونس: 15] وما فرض الله علينا طاعة نبيه إلا لأنه لا يأتينا إلا بأحكامه، وقال تعالى: ?وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ? [النساء: 64] وقال تعالى: ?مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ? [آل عمران: 79]
إن الخصائص الأولية للدولة الإسلامية دولة التوحيد كما يظهر من الآيات ثلاث:
أولا: ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو مجموعة أو لسائر القاطنين في الدولة نصيب من الحاكمية فإن الحاكم الحقيقي هو الله والسلطة الحقيقية مختصة بذاته تعالى وحده، والذين من دونه في هذه إنما هم رعايا في سلطانه العظيم، فما عليهم إلا اتباع أوامره.
ثانيًا: ليس لأحد من دون الله شيء من أمر التشريع، والمسلمون جميعًا لا يستطيعون أن يشرعوا قانونًا ولا يقدرون أن يغيروا شيئًا مما شرع الله لهم.
ثالثًا: إن الدولة الإسلامية لا يؤسس بنيانها إلا على ذلك القانون المشرع الذي جاء به النبي ? من عند ربه مهما تغيرت الظروف والأحوال والحكومات التي بيدها زمام هذه الدولة، فهي أي الحكومات لا تستحق طاعة الناس إلا من حيث أنها تحكم بما أنزل الله وتنفذ أمره تعالى في خلقه، ومن هنا تأخذ الحكومات شرعيتها وهذا يتفق مع بدهيات الأمور، فلماذا يكون من حق الله أن يتدخل في أمور عباده منفردين ولا يكون من حقه التدخل في شكل الدولة مع كونها أهم؟! فهل الله يعلم مصلحة الفرد وخيره وشره ولا يعلم مصلحة الجماعة وخيرها وشرها؟ أو يبالي بأمره ولا يبالي بأمرها؟
وهذا المفهوم عن سلطة الله في الحكم هو تصور المسلم عن الإيمان بالله فليس المقصود بالإيمان بالله، الإيمان بوجوده فقط، فذلك أمر من البدهيات التي لا تحتاج إلى نقاش في نظر الإسلام، فنحن نؤمن بوجود الحجر والشمس والقمر، كما نؤمن بوجود أعدائنا إيمانًا لا شك فيه، ومن المقطوع به أن ليس المقصود بالإيمان بالله إيمانًا كهذا، فلقد سجل القرآن الكريم اعتراف المشركين بوجود الله حيث قال ?: ?وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ? [الزخرف: 87] وقال تعالى: ?وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ? [الزمر: 38] وقال تعالى: ?وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ? [العنكبوت: 63]
بل سجل إخلاصهم في الدعاء وقت الشدة حيث قال تعالى:
?فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ? [العنكبوت: 65] .
فتصور المسلم عن الإيمان بالله: أن الله موجود متصف بصفات الكمال، له الأسماء الحسنى، ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه وأنه وحده الذي له الحق بالعبادة، وأنه وحده صاحب التشريع في هذا الكون فمن أعطى لنفسه الحق في إيجاد منهج الحياة أو التشريع فقد أشرك وكفر بالله الكفر الأكبر واتخذ إلهه هواه حتى ولو ادعى الإيمان بالله ورسوله ? لأنه يكون قد أعطى لنفسه حقًا لا يجوز إلا لله تعالى وهو حق الحكم والتشريع للعباد، ففرعون حين قال لقومه:? مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي? [القصص: 38] لم يرم من ذلك إثبات أنه هو الذي خلق الكون، أو أنه يستطيع أن يتصرف بالشمس أو القمر أو الريح أو فيضان النيل، ولم تكن عبادة الناس له بهذا المعنى، وإنما قصد أنه المطاع الوحيد فيهم بما له من سلطان، فإن كل المصريين كانوا يعرفون أن فرعون ليس له من أمر الكون شيء، وأنه ولد كبقية الناس وكبر مثلهم وأنه لا يستطيع أن يتصرف في الشمس أو القمر أو الريح أو غير ذلك، ولكنهم أطاعوه فيما شرع لهم، فمن وضع نفسه من الأمة موضع فرعون هذا - موضع المشرع - فقد نصب نفسه إلهًا عليهم، ومن أطاعه في ذلك فقد عبده من دون الله، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن الله ? يقول:
? مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ? [النحل: 106]
يفهم من هذه الآية الكريمة أن من تلفظ بالكفر أو فعل كفرًا لا يعذر مثله بجهله سواءً كان عن رضا أو عن غير رضا أو كان جادًا أو مازحًا يكفر ولا يسأل عن قلبه إذا كان مطمئن بالإيمان أم لا، لأنه ليس لحكم القلب أهمية هنا، ويستثنى من هذا الحكم من نطق بكلمة الكفر أو فعل كفرًا وهو مكره على ذلك فإن المكره إذا كان قلبه مطمئن بالإيمان لا يكفر، أما إذا كان قلبه غير منكر لهذا الكفر فإنه يكفر ولا اعتبار للإكراه الواقع عليه.
وعن سبب نزول هذه الآية قال ابن جرير عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر قال:-"أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى باراهم (فعل مثل فعلهم) في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كيف تجد قلبك؟) قال: مطمئنًا بالإيمان، فقال النبي ?: (إن عادوا فعد) ."
أما الإكراه المبيح للكفر باشتراط اطمئنان القلب بالإيمان فهو كالقتل والقطع والضرب الذي يخاف فيه تلف النفس أو العضو، أما الحبس والقيد والضرب الذي لا يخاف فيه التلف فلا يدخل في حكم الإكراه المقصود من هذه الآية.
(يُتْبَعُ)