إن هذا الامر إن كان يبدو من وجهة نظر تحليلية في الماضي، فهو يظهر بشكل منصوص في البيانات اللاحقة، وخاصة في قائمة المطالب التي توجه بها نمر النمر لنائب امير المنطقة الشرقية والتي لو نفذ منها ربعها لرأوا انهم قفزوا إلى الأمام قفزات كبيرة، وهي سائرة على مبدا (اضربه بالموت يقنع بالحمى) ، وخاصة حين تقدم بطريقة وثوقية وجريئة، ولم تنطلق فقط من بعد"وطني"للمطالبة بالحقوق الوطنية، بل يقررون الحق في الاستعانة حتى بالخارج في سبيل تحقيقها .. كما يلاحظ عليها كذلك التفصيل والبعد عن الإجمال، وهذا كذلك دلالة على ان الأمر"مشروع"متكامل لحسم الوضع الشيعي في السعودية من وجهة نظر شيعية!
والان .. ماهو الموقف الشرعي الصحيح لمثل هذا الوضع الذي يتمثل في"شيعة السعودية"،وماهو الموقف"السني"بغض النظر عن البعد السياسي والامتداد الخارجي للشيعة، والانتماء العلمي الذي يتجاوز الحدود السعودية عند بعض الشيعة ليقفز إلى المرجعيات في إيران والعراق وغيرها، هل مطالبهم مشروعة؟ ام انها ليست كذلك؟ وهل يحق لهم ان يطالبوا او لا يحق؟ وكيف نتصورصياغة رؤية لمثل هذه"الأقلية"في دولة تتخذ من الكتاب والسنة مرجعية؟ وهل يمكن ان يطرح احد طرح"الإقصاء"و"الاستئصال"دون أن يدرك خطورة هذا من النظر الشرعي والمصلحي السياسي؟ وهل فعلا الشيعة في السعودية يشكلون خطرا سياسيا وعقديا كبيرا على البلد من خلال استجرار الصراع التاريخي بين السنة والشيعة، وتربية الابناء على البعد العاطفي الطافح الذي يوغر الصدور ويربي على الأحقاد، وهل يمكن أن يتجاهل هذا الوضع في وقت يشكل فيه هؤلاء ما يقارب الـ 5% من مجموع السكان، ويتمايزون عنهم عقائديا بشكل كبير، وهل التعامل معهم ينطلق من رؤية سياسية مجردة عن أي بعد آخر، ام ان منحى الإصلاح والدعوة والحوار يجدي مع من يتحفز لتحسين وضعه بهذه الطريقة، وهل يصح ان نبني منهج التعامل مع الشيعة في السعودية بناء على أوضاع اجنبية كوضع العراق، ولبنان وإيران، ام ان المسألة تحتاج لبناء استراتيجيات اصلاحية من قبل أهل السنة باعتبار هؤلاء مواطنون كاملوا المواطنة؟!
لقد كان من الرؤى الجديدة والجميلة ما تقدم به الشيخ سفربن عبدالرحمن الحوالي حفظه الله في مقال انتشر انتشارا واسعا اسماه (الأقلية حين تتحكم بالأكثرية) ، وهو موجود في مظانه لمن اراد الرجوع إليه، ولكني سأذكر رؤية خاصة في هذا الموضوع تحتاج لنقاش الإخوة، آملا ان يتسع صدورالقراء لها، محاولا الإسهام في علاج هذه الظواهر، وحرصا على هذا البلد الأمين، ومشاركة ثقافية تحتاج إلى تسديد ونقاش!
أزمة دستورية:
ينص دستور المملكة العربية السعودية على أن"القرآن والسنة" (على منهج السلف الصالح) هو المرجع لكل نظام في البلد، وهذا الدستورلم يكن مفصلا لأهل"نجد"مثلا، او لاهل"مكة"، بل هو دستور شامل لدولة تتمتع بحدود سياسية واضحة، ويضم جنباتها مواطنون لهذه الدولة هم"مسلمون"على اختلاف في مذاهبهم الفقهية والعقدية، ولكنهم منتظمون تحت راية هذا البلد الدستورية (الشريعة الإسلامية) ، ولكن المشكلة تكمن في طريقة"الرجوع إلى الدستور"لحسم التنازعات التي تطرأ في الجانب الحقوقي مثلا، فالشيعة مثلا لهم موقف مبدئي مثلا من (السنة) ، ولهم موقف مبدئي كذلك من (السلف) ابتداء بالصحابة وانتهاء بعامة اهل السنة ومذاهبها، ومن ثم فكيف ستكون مرجعيتهم وقناعتهم أصلا بهذا الدستور، وكيف يتم إقرارهم ومنعهم بناء على"موافقة"الدستور، و"مخالفته"، والمعروف في كل دول العالم ان"الدستور"هو المرجعية حين الاختلاف، وعليه فلا تجوز مخالفة الدستور بأي حال من الأحوال، على ان الدستور يعطي مبادئ وأحكاما عامة يحتاج معها لشرح مفصل وهو ما يسمونه بـ"المدونات"الدستورية والحقوقية التي تشرح مبادئ الدستور ..
ولو اخذنا الحالة"الشيعية مثلا"بناء على المطالب التي تقدم بها الشيخ نمر النمر، فكيف نستطيع ان نجعل"الدستور"هو الذي يمنحه او يمنعه الحق في الممارسة وعدم الممارسة لأي مطلب من هذه المطالب، وخاصة حين نفرز هذه المطالب من حيث القرب والبعد عن الدستور نجد انها كالآتي:
(يُتْبَعُ)