فهرس الكتاب

الصفحة 9839 من 28557

وقال وهو يتحدث عن الاختلاف الناجم عن البغي: (وهذا حال أهل الاختلاف المذموم من أهل الأهواء كلهم لا يختلفون إلا من بعد أن يظهر لهم الحق ويجيئهم العلم فيبغي بعضهم على بعض ثم المختلفون المذمومون كل منهم يبغي على الآخر فيكذب بما معه من الحق مع علمه أنه حق، ويصدق بما مع نفسه من الباطل مع العلم أنه باطل، وهؤلاء كلهم مذمومون، ولهذا كان أهل الاختلاف المطلق كلهم مذمومين في الكتاب والسنة، فإنه ما منهم إلا من خالف حقا واتبع باطلا)

وقال أيضا في"مجموع الفتاوى"1/ 14 - 15: (وهذا كما قال تعالى عن أهل الكتاب {وَمِنْ الَّذِينَ قالوا إنا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 14] فأخبر أن نسيانهم حظا مما ذكروا به - وهو ترك العمل ببعض ما أمروا به - كان سببا لإغراء العداوة والبغضاء بينهم، وهكذا هو الواقع في أهل ملتنا مثلما نجده بين الطوائف المتنازعة في أصول دينها وكثير من فروعه من أهل الأصول والفروع) . وقال: (وقد ظهر بذلك أن المفترقين المختلفين من الأمة إنما ذلك بتركهم بعض الحق الذي بعث الله به نبيه، وأخذهم باطلا يخالفه واشتراكهم في باطل يخالف ما جاء به الرسول وهو من جنس مخالفة الكفار للمؤمنين ... فإذا اشتركوا في باطل خالفوا به المؤمنين المتبعين للرسل نسوا حظا مما ذكروا به فألقى بينهم العداوة والبغضاء واختلفوا فيما بينهم في حق آخر جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فآمن هؤلاء ببعضه وكفروا ببعضه والآخرون يؤمنون بما كفر به هؤلاء ويكفرون بما يؤمن به هؤلاء وهنا كلا الطائفتين المختلفتين المتفرقتين مذمومة وهذا شأن عامة الافتراق والاختلاف في هذه الأمة وغيرها)

وقال أيضا: (وكذلك جعل الله مصدره أي: الاختلاف البغي ... لأن البغي مجاوزة الحد وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرة لهذه الأمة ... )

وقال أيضا: (وجماع الشر الجهل والظلم قال تعالى: {و َحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] )

السبب الثالث: الغلو في الدين:

إن من أعظم أسباب الوقوع في الابتداع الغلو في الدين قال شيخ الإسلام شيخ الإسلام ابن تيمية: (فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام أو السنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام والسنة حتى يدعي السنة من ليس من أهلها ... وذلك بأسباب منها الغلو الذي ذمه الله في كتابه)

وهو على أقسام:

1 -الغلو في الأشخاص كالأنبياء والصالحين والأئمة وسبب هذا الغلو ضلت طوائف وعلى وجه الخصوص الروافض والصوفية والقبورية قال شيخ الإسلام: (قد وقع في الغلو طوائف من المتعبدة والمتصوفة حتى خالط كثير منهم مذهب الحلول والاتحاد ما هو أقبح من قول النصارى أو مثله أو دونه)

2 -الغلو في الدين قال تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} المائدة (77) وقال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} النساء.

وروى الإمام البخاري برقم (6830) عن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ) )وروى أبو داود برقم (4806) عن مطرف قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا فقال: (( السيد الله تبارك وتعالى ) )قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا فقال: (( قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان ) )وروى الإمام مسلم برقم (2670) عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( هلك المتنطعون ) )قالها ثلاثا أي: المتجاوزون الحدود المتعمقون في أحوالهم. فالغلو مذموم في الشرع الحنيف ولو كان مقصورا على الشخص نفسه فكيف إذا تعدى إلى غيره وصار أهل الغلو دعاة إلى غلوهم وكيف إذا كان الغلو في العقيدة كحال الرافضة والصوفية والخوارج. فالغلو يؤدي بأصحابه إلى الخروج عن السنة كحال من ذكرنا، وكل متجاوز للحق لابد أن يكون غاليا من جهة الإفراط جافيا من جهة التفريط، والسلامة بينهما.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت