وعلى كل: الغلو مدركة الهلاك كما سبق في حديث ابن مسعود، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس: (هات إلقط لي فلقطت له حصيات هن حصى الخذف فوضعهن في يده فقال:(( بأمثال هؤلاء مرتين وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) )
وليس المتمسك بدين الله على طريقة السلف من أهل الغلو كما تصوره الفرق المميعة للإسلام وكما تصوره الجهات الكافرة تارة باسم الأصوليين وتارة باسم المتطرفين وتارة إرهابيين، والحقيقة أن هذه الجهات ترى أن الإسلام نفسه دين تطرف، بل أعلنت أنه دين إرهابي وليس هذا بغريب من هؤلاء لأن دين الإسلام هو عدوهم الأكبر، فعليك بالتمسك بدينك الذي ارتضاه الله لك من غير إفراط ولا تفريط وليقولوا ما شاءوا.
السبب الرابع: التكالب على الدنيا:
تكالب أهل البدع على الدنيا أمر ظاهر وإن غطى بعضهم ذلك باسم نشر الدين ودعوى فعل الخير من بناء مساجد وكفالة أيتام وحفر آبار ونحو ذلك.
والتكالب على الدنيا بلية علماء أهل الكتاب قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} [التوبة: 34] . وقال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ)} فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الأعراف: 169]
وهي بلية علماء السوء في هذه الأمة وهو ما كان يخشاه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته وقد روى البخاري ومسلم عن عمرو بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أبشروا وأملوا فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ) )وقد كان الإقبال على الدنيا من أسباب الوقوع في الفتن الأولى فقد جاء في مسائل الإمام أحمد رواية ابن هاني 2/ 171 بسند صحيح أن عبد الله بن عمر قال: (جاءني رجل من الأنصار في خلافة عثمان يكلمني فإذا هو يأمرني في كلامه بأن أعيب على عثمان وإنَّ والله ما نعلم عثمان قتل نفسا بغير حق ولا جاء من الكبائر شيئا ولكن هو هذا المال فإن أعطاكموه رضيتم وإن أعطاه أولي قرابته سخطتم) .
قال شيخ الإسلام شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن أسباب الفتنة والأهواء في نشأتها الأولى في آخر عهد عثمان التنافس في الدنيا من ذلك الجيل الناشئ من الأمم الحديثة العهد والأعراب ونحوهم)
ولو سيرت طرفك في أوساط المسلمين في الزمن الماضي والحاضر لرأيت كثيرا ممن تعثر في الطريق بسبب الطمع في المال أو الجاه، فمن فتح على نفسه هذا الباب كثر تقلبه وتلونه وهان عليه أمر دينه قال العلامة ابن القيم: (كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلابد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه وفي خبره وإلزامه لأن أحكام الرب سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس ولاسيما أهل الرياسة والذين يتبعون الشهوات فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرا فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لهم ذلك إلا بدفع ما يضادّه من الحق ... وهؤلاء لابد أن يبتدعوا في الدين مع الفجور في العمل فيجتمع لهم الأمران فإن إتباع الهوى يعمي عين القلب فلا يميز بين السنة والبدعة، أو ينكسه فيرى البدعة سنة والسنة بدعة، فهذه آفة العلماء إذا آثروا الدنيا واتبعوا الرياسات والشهوات ... ) ا. هـ
السبب الخامس: الإعجاب بالنفس والاغترار بها:
إن العجب والغرور ليدبان في بعض الناس فيبلغان فيهم مبلغا لا يتصور ويكون ذلك من أسباب وقوع الشخص في الابتداع في الدين وإليك ما علم من حال هؤلاء:
(يُتْبَعُ)