فهرس الكتاب

الصفحة 9951 من 28557

فليتك بدل أن تطلب مني الرجوع للنص، أتيتنا مباشرةً بالكلام الذي استنبطت منه أن ابن تيمية إنما يقصد فقط الكفر الباطن في علم الله!

و مع ذلك فقد راجعت النص وتأملتُ فيه (بناءً على طلبك) فلم أجد فيه شيئًا مما تذكره. ولم أجد لدى ابن تيمية ولا غيره تفريقًا بين كفرين باطنين. فاشرح لي من أين أخذت من كلام ابن تيمية أن قصد كفرًا باطنًا دون كفر باطنٍ آخر.

أنا لن أعجز أن آتيك بنصٍّ ثانٍ، أو صورةٍ أخرى يقع فيها الحكم بالكفر الظاهر دون الحكم الباطن. لكن الذي أعجز عنه (وتعجز أنت عنه أيضًا) الإتيان بنصٍّ يفرق بين كفرين باطنين أحدهما يتعلق بعلمنا، والآخر يتعلق بعلم الله. فهذا شيءٌ لا أستطيع أن آتيك به. لأنه لا يوجد إلا في خيال اثنين من الناس: أخي العز بن عبدالسلام، والأخ وائل الحارثي.

فإن كنت تطلب مني أن آتيك بنص عن عالمٍ يقول فيه: إن الكفر الظاهر يستلزم الكفر الباطن الذي في علمنا، و يستلزم الكفر الباطن الذي في علم الله، فأنا أقول لك وأعترف بعجزي عن ذلك.

وأنا أزعم أن عجزي هذا ليس عن قلة معرفة بكلام أهل العلم في هذا الباب. بل هو عجزٌ مبني على علمٍ ويقين أنه لا يوجد لدى العلماء تمييزٌ بين كفرين باطنين أحدهما في علمنا والآخر في علم الله.

الكفر الباطن حكمٌ واحدٌ.

فإن زعمتَ أنه نوعان فهات برهانك، فأنتَ المطالب الآن وليس أنا.

فليس من العدل ولا من العقل أن تطالبني بإثبات شيءٍ لا أؤمن بوجوده.

أخي العزيز.

خلاصة الفرق بين الكفر الظاهر والكفر الباطن الذي طلبت منك أن تتأمل فيه فأبيتَ: أن الكفر الظاهر ليس بالضرورة أن يكون موافقًا لما في نفس الأمر، فالأسير الكافر الذي يدعي أنه مسلم وليس له بينة تثبت دعواه، يحكم له بالكفر الظاهر. لكن هذا الكفر الظاهر ليس بالضرورة أن يطابق باطنه و واقع حاله. فنحن نقول: هو كافرٌ في الظاهر. وإن كان صادقًا في دعواه فهو مؤمن في الباطن. و من حكم على مثل هذا بالكفر الباطن فقد خطأ في ذلك خطأً بالغًا.

والأخ وائل إنما دخل عليه الإشكال من هذه النقطة، فتابعته أنت عليها.

هو فهم التلازم الذي يتحدث عنه أهل السنة على غير وجهه واستخدمته في غير موضعه. فظن أن مثل هذا الأسير يتعين ويجب الحكم عليه بالكفر الباطن طبقًا لقاعدة التلازم، فلما رأى أن العقل يجوز أن يكون ذلك الأسير صادقًا في دعواه الإسلام، خرج من هذه المعضلة عن طريق ابتكار هذا التقسيم الحادث للكفر الباطن: باطن في علمنا، و باطن في علم الله.

بينما أهل العلم لا يحكمون على مثل هذا الأسير بالكفر الباطن أصلًا.

أنت بنيت اعتراضك على احتمال الخطأ في حكمنا على المعين، فلأجل ذلك قلت إنه لا يجوز أن نقول إن حكمنا مطابقٌ لما في علم الله.

فإن كان هذا مأخذك، و كنت تتحدث عن صورٍ يرد عليها الخطأ، فينبغي لك أن تمسك أيضًا عن الحكم بالكفر الباطن. لأن الحكم بالكفر الباطن يعني الشهادة بخلو قلب صاحبه من الإيمان. ومثل هذا لا يجوز الإقدام عليه إلا بحجة ظاهرة.

فإن قلتَ إنك تحكم بخلو قلب هذا الأسير من الإيمان بناءً على ما ظهر لك. فأنت لم يظهر لك ما يوجب الحكم عليه بالكفر الباطن. فالمسلم المقيم بأرض الكفر ليس في ظاهره ما يدل على خلو باطنه من الإيمان.

لأجل هذا قلت لك إن التلازم الذي يتحدث عنه أهل العلم لا يقصد به مثل هذه الصورة. وإنما مقصودهم الحال القلبي للمكلف حال تلبسه بالفعل المكفر عامدًا عالمًا مختارًا. فمن ثبت لنا تعمده وعلمه واختياره، قطعنا أنه كافر باطنًا عند تلبسه بالفعل، أو إصراره عليه بعد فعله. ونقول إنه لو مات على هذا فحكمه الباطن نار جهنم. والحكم الباطن هو الموافق لما علم الله.

مع ملاحظة أن مجال الجزم الحكم بالكفر الباطن على المعينين ضيق جدًا. وأكثر كلام أهل العلم في المسألة كلامٌ عن صورٍ ذهنية مجردة قصدوا منها تحرير معنى الإيمان الشرعي، وأما تطبيق هذا التلازم على الأعيان فمجاله ضيقٌ. ومن الخطأ البالغ القول بأن كل معينٍ حكمنا بكفره الظاهر فلا بد أن نحكم بكفره الباطن.

فمسألة التلازم بين الظاهر والباطن أكثر ما يوردها أهل العلم في صورةٍ مفترضة، وهي صورة يفتَرض فيها الخلو الموانع وتحقق الشروط. وأما عند التطبيق على الأعيان، فالتيقن من تحقق الشروط وانتفاء الموانع في نفس الأمر فيه عسرٌ شديدٌ لكنه ليس بمحالٍ.

فعند الكلام عن الحكم العام، تجد التلازم حاضرًا في الصور الكفرية الصريحة التي حدثتك عنها كالسب ونحوه. وأما عند التنزيل على زيدٍ أو عمروٍ، فباب الحكم على بواطنهم ليس بالسعة التي يتصورها بعض من فهم قاعدة التلازم على غير وجهها.

فالمهم لدينا الجزم بأنه في حال وجود أحدٍ يقدم على الكفر الصراح البواح عالمًا عامدًا مختارًا، فهو كافرٌ ظاهرًا وباطنًا، ولا يجوز أن يقال إنه من الممكن أن يكون في علم الله مؤمنًا، أو أن في باطنه إيمان صحيحٌ، أو أن يقال: نكل سريرته إلى الله. ونحو ذلك من العبارات المتناقضة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت