فهرس الكتاب

الصفحة 1099 من 28557

وهؤلاء انتسبوا إلى التصوف تلبيسًا، واتخذوا التصوف وظيفة رسمية، وتوارثوا فيما بينهم بدعًا وشعارات زائفة وتقاليد منكرة، يبرأ منها أعلام الزهد الحق. فهؤلاء جعلوا من الزهد حرفة للكسب، فجعلوا اللبس الخشن والصوف دليلًا على تقواهم وزهدهم، وجعلوا الإسلام مجرد حفلات موسيقية وكرنفالات دينية صاخبة، يحبون أن تقبل أيديهم، وأن تلثم رؤوسهم، وأن ينعتهمخ الناس بالشيخ والسيد والمولاى، بعد أن كانوا من سقط المتاع، وكانوا في حقيقة حالهم أبعد الناس عن الزهد والورع والتقشف والتقوى، وصاروا أضحوكة الخلق من جميع الأمم، وجعلوا الكسل والخمول والبطالة هي حقيقة التوكل والزهد والورع، فشوهوا صورة الإسلام!

ولذلك جاءت أقوال أئمة أهل السنة والزهد والورع بالنقد والبراءة من هذه المدرسة، فقد قال الإمام"حماد بن سلمه"لفرقد السبخي لما رآه مرتديًا الصوف: (ضع عنك نصرانيتك هذه) .

وقال له الإمام الحسن البصري أيضًا: (أما علمت أن أكثر أصحاب النار أصحاب الأكسية) .

وقال ابن السماك مخاطبًا فريقًا من الصوفية الذين يلبسون الخرقة والصوف: (والله لئن كان لباسكم وفقًا لسرائركم لقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، ولئن كان مخالفًا لها هلكتم) .

وقد ألف الحارث المحاسبي وهو من أئمة الزهد السني كتابه (الرعاية لحقوق الله) لنقد التصوف في عصره وما داخله من البدع والمخالفات الشرعية التي لم تكن فيه.

وقد كانت لهذه المدرسة الصوفية آثارًا سلبيَّة، حيث جعلت الإسلام خمولًا، وجعلت العقيدة لهوىً ولعبًا، وجعلت الشريعة حفلات ورقص، فشوهت جوهر الإسلام، وعكست صورة قاتمة للدين الإسلامي، وانعكست تلك الصورة في كتابات الرحالة غير المسلمين الذين دونوا تلك المظاهر معتقدين أنها هي الإسلام كما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم!

وتقول المستشرقة الإيطالية (لورا فيشيا فاغليري) :

(كانت سُكونية الصوفي خطرًا على الحياة الاجتماعية، لأنه ولدَّ في مظاهره القصوى روحًا من الاتكال السلبي على الله، وعلى عنايته الإلهية، وهكذا شجعت الشخص التقيّ على القعود عن كسب رزقه اليومي بنفسه، ومن هنا كانت الصوفية مسؤولة بعض الشيء من غير شك عن انحطاط الأمم الإسلامية الحالي) .

ويقول الأستاذ محمد فريد وجدي مبيّنًا الأثر السلبي لهذا النوع من التصوف:

(كيف نرجو أن يفهم الأوربيون روح ديننا نفسها -وهو الدين الوحيد الذي يكفل السعادة الكاملة- ما داموا لا يعرفون غير بعض مظاهر الإسلام الخارجية التي يشاهدونها كل يوم مثل الحشود الضاجّة في الشوارع السائرة خلف الرايات والطبول، والاحتفالات المستهجنة المنافية لكل منطق أخلاقي، والتي تقام في جميع مدن مصر يوم مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، وعقد حلقات الذِّكر الضخمة أمام جمهور يتألف من آلاف الناس، وإرسال الابتهالات الصوفية في صوت جهوري) .

ولم تكن مظاهر هذه المدرسة بأحسن حال من الممارسات الأخلاقية لكثير من روادها وشيوخها، بل كان يشتهر عن كثير من شيوخ هذه المدرسة ومريديهم أمور مخلة بالأخلاق، وتدل على التبذل السلوكي، وبذلك فتحوا الباب الواسع للفسق والمجون باسم الصوفية والشيوخ!

فهذا (عبدالوهاب الشعراني) الصوفي المعروف الذي ألف كتابه الشهير (طبقات الصوفية) وسرد فيها مجموعة تراجم لأعلام الصوفية، هو في الحقيقة بمثابة سجل يدين السلوك الإجرامي لأعلام هذه المدرسة. ونسوق لك شيئًا يسيرًا منها، لتقف على حقيقة حالهم.

يقول الشعراني متحدثًا عن تراجم بعض طبقات الصوفية:

(ومنهم الشيخ محمد الحضري -رضي الله عنه- .. أخبرني الشيخ أبو الفضل السرسي أنه جاءهم يوم الجمعة فسألوه الخطبة؛ فقال: بسم الله، فطلع المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ومجده، ثم قال: وأشهد أن لا إله لكم إلا إبليس عليه الصلاة والسلام. فقال الناس: كفر. فسّلَ السيف ونزل، فهرب الناس كلهم من الجامع) .

ويقول -أيضًا- وهو يعرض كرامات الصوفي محمد الشويمي:

(ومرض سيدي مدين -رضي الله عنه- مرة أشرف فيها على الموت، فوهبه -الشويمي- عشر سنين، ثم مات في غيبة الشويمي -رضي الله عنه- فجاء وهو على المغتسل، فقال: كيف مت؟ وعزة ربي لو كنت حاضرك ما خليتك تموت -ثم ذكر الشعراني أنه كان- يحسس بيده على النساء، فكن يشتكين لسيدي مدين رضي الله عنه، فيقول: حصل لكم الخير فلا تشوشوا) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت