فهرس الكتاب

الصفحة 11641 من 28557

أما بعد: فقد زاد سؤال الناس عن حكم الشرع في المعاهدة الأمنية بين العراق وأميركا، وقد كانت المعاهدة في صيغتها الأولى التي بينتُ خطرها في كتابي"نقض المنطق السلمي": واضحة الخطل، صريحة في صفتها العدوانية، وأدرك الناس بالفطرة وجوه ضررها، فعارضوها، فكان من القائمين عليها اللجوء إلى طريق التفافي، بأن أضافوا لها شرط الانسحاب الأميركي قبل نهاية سنة 2011، وسبب ذلك أنهم حين عرفوا معارضة أكثر الشعب العراقي وأمة الإسلام في كل الأقطار: مالوا إلى تجميل المعاهدة وتحلية هيكلها بهذا الشرط الذي في ظاهره الشجاعة وتحصيل الاستقلال، وباطنه خواء.

وهما أمران يقوم عليهما منطق رفض الاتفاقية حتى لو تضمنت شرط الانسحاب الأميركي: الأمر الأول، أن هذا الانسحاب ما هو بجازم، ولا هو بأمر مُبرَم، بل يُمكن نقضه والاستدراك عليه بأن تطلب الحكومة العراقية من القوات الأميركية البقاء وتجدّد لها الإذن مدة عشر سنوات، فتخرج من الباب وتدخل من الشُبّاك، ذهابًا مع فتوى المرأة الحائرة التي أحرجها زوجها بيمين الطلاق أنها إن خرجت من الباب فلن تدخل منه ثانية، فسهّل المفتي أمرها بإدخالها من النافذة .. أو صاحب المال المتمرد على الشرع، الذي يهب أمواله قبل نهاية الحول عليه إلى زوجته، ثم تهبه إليه ثانية، ليتهرب من دفع الزكاة، وهذا هو فقه الحِيَل، وهو فقه الذين أصاب إيمانهم الضمورُ وتقلّصت تقواهم فأصبحوا يتعاملون مع الله بالمخادعة، ومع الناس بالظلم، واتبعوا منهجية الشرود والغش وارتكاب الزيف والميلان عن سعة الطريق المستقيم السالك إلى الغموض والأزقة الضيقة والدروب المسدودة .. وما الضامن لموقفٍ حازمٍ من الحكومة وهي ستستمر من خلال إسناد المستعمرين لها بنفس تركيبتها الحالية ومرجعيتها الطائفية والانفصالية وبما لها من ولاء معروف لأميركا وسَلفت منها سابقة الذهاب إلى البيت الأبيض ودعوته لاحتلال العراق؟ فصاحب السياسة الأولى يعيدها ثانية وثالثة، والحياء والولاء الإيماني نقطة في الجبين إذا سقطت فلن ترجع، والظن بهم ظن سيء، وأنهم يسوسون العراق على طريقة المخادعة وبمنهج التحايل والذهاب خطوات أخرى في إرهاق الشعب نفسيًا وإخضاعه من خلال استعمال إرهاب السلطة.

ومن هنا: فإنّ الذي يترجح عندي أن هذا النص على الانسحاب في الاتفاقية إنما هو لامتصاص الرفض الشعبي والإقليمي والعربي والإسلامي والعالمي، وأن مفعوله موقت فقط، وستسارع الحكومة العراقية الموالية للمستعمر بعد استتباب الأمر لها بطلب بقاء القوات الأميركية لعشر سنوات أخرى، والتكوين النفسي للطالباني رئيس الجمهورية وللمالكي رئيس الوزراء يحتمل ذلك ويجعله ممكنًا جدًا، وفكرهم السياسي فيه من جوانب اللين والمصلحية وتسويغ التبعية لأميركا الشيء الكبير، والسوابق تشهد، والانتفاعات الحزبية والشخصية التي بدرت منهم مرارًا تجيز لنا اعتقاد أسوأ التفسيرين للأمر وأردأ الظنين، والتهمة الآن هي الغالبة، بقرينة التاريخ القريب، وهما يزعمان اليوم بطولة ملحمة وهمية عنوانها انسحاب لا يتمنيانه.

والأمر الثاني: يتعلق بما يكون من سلوك الجيش الأميركي بين التوقيع وإلى يوم المغادرة بعد سنوات ثلاث: من استمراره في محاربة المجاهدين والخروج من القواعد العسكرية الممنوحة له مستعينًا بالقوات العراقية ليعيث في الأرض فسادًا، في العراق، وربما في بلاد أخرى، فإن المادة الرابعة من المعاهدة تجيز له ذلك وتمنحه هذا الحق داخل العراق بصراحة وخارج العراق بالسكوت، وفي قواعد الفقه والقانون أن السكوت في معرض الحاجة بيان وموافقة وإذن وتجويز ... وعلى ذلك فإن التكييف القانوني لهذا الانسحاب المظنون الموهوم يجعله شيئًا آخر يخالف تمامًا المعنى القانوني والسياسي والعرفي والأخلاقي لمبدأ"جدولة الانسحاب"، لأن من أصل مفهوم الجدولة: أن يوافق العدو على إنهاء العمليات الحربية، وأن تضع الحرب أوزارها، ولكن لا يكون الانسحاب الفوري ممكنًا، وقد يجلب الفوضى العامة، فيكون من اللائق جعل الانسحاب متدرجًا وعلى مراحل، مع كمال السكون وإسكات الأسلحة، وحصر التفكير في كيفية الخروج الآمن الذي يضمن عدم وقوع حرب أهلية بين مكونات الشعب العراقي ويكفل للعدو سلامة مؤخرته، مع تهيئة فرصة لقوات حكومية عراقية الولاء وغير حزبية لأن تتسلم زمام الأمور

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت