فهرس الكتاب

الصفحة 13764 من 28557

لَمّا كان الجهاد ذِرْوَةً سنام الإسلام، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرّفعة في الدّنيا، كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في الذّروة العليا منه، فاستولى على أنواعه كلّها، فجاهد في الله حقّ جهاده بالقلب والجنان، والدّعوة والبيان، والسّيف والسّنان، فكانت ساعاته موقوفة على الجهاد، ولهذا كان أعظم العالمين عند الله قدرًا.

وأمره تعالى بالجهاد من حين بعثه، فقال: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرا} ، [الفرقان: 52] . فهذه سورة مكيّة أمره فيها بالجهاد بالبيان، وكذلك جهاد المنافقين إنّما هو بالحجّة وهو أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد الخواص، وأفراد العالم والمعاونون عليه، وإن كانوا هم الأقلّين عددًا، فهم الأعظمون عند الله قدرًا.

ولما كان من أفضل الجهاد قول الحقّ مع شدّة المعارض مثل أن يتكلّم به عند مَن يخاف سقوطه، كان للرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ من ذلك الحظّ الأوفر، وكان له ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من ذلك أكمله وأتمّه، ولما كان جهاد أعداء الله فرعًا على جهاد النّفس، كما قال ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"المجاهد مَن جاهد نفسه في ذات الله"، كان جهادها مقدَّمًا. فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما، وبينهما عدوّ ثالث لا يمكنه جهادهما إلاّ بجهاده وهو واقف بينهما يثبط عن جهادهما وهو الشّيطان، قال الله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} الآية، [فاطر من الآية: 6] .

والأمر بذلك تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته، فهذه ثلاثة أعداء أمر العبد بمحاربتها، وسُلطت عليه امتحانًا من الله، وأعطي العبد مددًا وقوّة، وبلي أحد الفريقين بالآخر، وجعل بعضهم لبعض فتنة، ليبلوَ أخبارهم، فأعطى عباده الأسماع والأبصار والعقول والقوى، وأنْزل عليهم كتبه، وأرسل إليهم رسله، وأمدّهم بملائكته، وأمرهم بما هو من أعظم العون لهم على حرب عدوّهم، وأخبرهم أنّهم إن امتثلوه فلن يزالوا منصورين وأنّه إن سلط عليهم، فلتركهم بعض ما أمروا به، ثم لم يؤيسهم بل أمرهم أن يداووا جراحهم، ويعودوا إلى مناهضة عدوّهم بصبرهم، وأخبرهم أنّه مع المتّقين منهم، ومع المحسنين، ومع الصّابرين، ومع المؤمنين، وأنّه يدافع عن عباده المؤمنين ما لا يدافعون عن أنفسهم، بل بدفاعه عنهم انتصروا، ولولا ذلك لاجتاحهم عدوّهم.

وهذه المدافعة بحسب إيمانهم، فإن قوي إيمانهم قويت، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومن إلاّ نفسه. وأمرهم أن يجاهدوا فيه حقّ جهاده، كما أمرهم أن يتّقوه حقّ تقاته، وكما أنّ حقّ تقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويذكر فلا يُنسى، ويشكر فلا يُكفر، فحقّ جهاده أن يجاهد نفسه ليسلم قلبه ولسانه (من ثلب العلماء) وجواره لله وبالله، لا لنفسه ولا بنفسه، ويُجاهد شيطانه بتكذيب وعده ومعصية أمره، فإنّه يعد بالأماني، ويمني الغرور، ويأمر بالفحشاء، وينهى عن الهدى وأخلاق الإيمان كلّها، فينشأ له من هذين الجهادين قوّة وعدة يجاهد بهما أعداء الله بقلبه ولسانه ويده وماله، لتكون كلمة الله هي العليا.

واختلفت عبارات السّلف في حقّ الجهاد، فقال ابن عبّاس: هو استفراغ الطّاقة فيه، وأن لا يخاف في الله لومة لائمٍ.

وقال ابن المبارك: مجاهدة النّفس والهوى.

ولم يصب مَن قال: إنّ الآيتين منسوختان لظنّه تضمنهما ما لا يطاق، وحقّ تقاته وحقّ جهاده: هو ما يطيقه كلّ عبدٍ في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلّفين.

وتأمّل كيف عقب الأمر بذلك بقوله: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، [الحج من الآية: 78] . والحرج: الضيق.

وقال ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"بُعِثْتُ بالحنيفية السّمحة"، فهي التّوحيد، سمحة في العمل، وقد وسع الله سبحانه على عباده غاية التّوسعة في دينه ورزقه وعفوه ومغفرته، فبسط عليهم التّوبة ما دامت الرّوح في الجسد، وجعل لكلّ سيّئةٍ كفاّرةً، وجعل لكلّ ما حرم عوضًا من الحلال، وجعل لكلّ عسرٍ يمتحنهم به يسرًا قبله ويسرًا بعده، فكيف يكلّفهم ما لا يسعهم، فضلًا عما لا يطيقونه.

فصل

إذا عرف هذا، فالجهاد على أربع مراتب: جهاد النّفس، وهو أيضًا أربع مراتب:

أحدها: أن يجاهدها على تعلّم الهدى.

الثّانية: على العمل به بعد علمه.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت