فهرس الكتاب

الصفحة 1580 من 28557

ومن الأشاعرة الباقلاني والجويني وذهب جمهور الباحثين في نظام الحكم الإسلامي إلى نفي اشتراط القرشية في المرشح للخلافة وأصحاب هذا المذهب يجدون صعوبة شديدة في تقرير ذلك لكثرة الأحاديث التي تفيد اختصاص قريش بالخلافة وحكاية الإجماع الذي حكاه غير واحد من العلماء ولكنهم في النهاية لا يعدمون رأيًا ويذهبون في الاستدلال لرأيهم مذاهب شتى. فمنهم من يطعن في صحة هذه الأحاديث ويرميها بالوضع على اعتبار أنها وضعت لخدمة مذاهب سياسية أو تزلفًا للحكام.

وهذا مسلك كثير من الكتاب في هذا العصر منهم (محمد بن يحي الجنيد) فهو يعرض الحديث على عقله وهواه فما وافقه قبله وإن خالفه رده، وقد رد هو وغيره كثيرًا من الأحاديث الصحيحة المعتبرة كبعض أحاديث البخاري ومسلك يتنافى مع الدقة في منهج البحث عند هؤلاء المتأخرين أصحاب العقول المريضة.

بل هذا مسلك من لا بضاعة له في علم الحديث ولا غيره ولا يقول به إلا من جهل هذا العلم أو تعامي عن قبول الأخبار الصحيحة لهوى النفس وهو مسلك خاطئ فهو يؤدي في النهاية إلى رد الاستدلال بالسنة بالكلية.

ومنهم من يرفض الاستدلال بهذه الأحاديث لكونها أخبار أحاد لا تفيد العلم ولا يستدل بها في مباحث العقيدة وهذا مسلك المتكلمين وهذا المسلك من علماء الكلام مرود عند جمهور أهل السنة. ومنهم من يعارض أحاديث اختصاص قريش بالخلافة بأحاديث أخرى صحيحة كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله اسمعوا له وأطيعوا) .

وقد تأول أهل السنة هذه الأحاديث وبينوا الجمع بينها و هو ما قد قدمنا ه من أنه إذا اجتمع اثنان للخلافة وتوفرت فيهم الشروط وكان أحدهما قرشي قدم القرشي أما إذا تغلب غير القرشي فلا يجوز الخروج عليه، ومنهم من ذهب إلى أن أحاديث اختصاص قريش بالخلافة إنما هي مجر أخبار وليست أوامر تفيد حكمًا شرعيًا.

ويرد أهل السنة على هذا بأن ما جاء من هذه الأحاديث أوامر في صيغة الخبر وأن غيرها من الأحاديث قد وردت بصيغة الأمر الصريح كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (قدموا قريش ولا تقدَّموها) (رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة(2/ 637) وصححه الألباني).

كما أنها لو كانت مجرد أخبار من النبي صلى الله عليه وسلم لتحققت لأن خبر المعصوم الصادق لا بد أن يتحقق ولما ولي الخلافة إلا قرشي إلى يوم القيامة، والواقع يشهد أنه قد تولاها غيرهم فصح أنها ليست بأخبار وإنما هي أوامر.

قال الإمام ابن حزم رحمه الله كما في المحلى (9/ 360) المسالة (1769) : (هذان الخبران وإن كانا بلفظ الخبر فهما أمر صريح مؤكد إذ لو جاز أن يوجد الأمر في غير قريش لكان تكذيباَ لخبر النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كفر ممن أجازه) . ومنهم من ذهب إلى تعليل هذه النصوص وأن العلة من اختصاص قريش بالخلافة أنهم أهل الشوكة والمنعة وأن عصبتهم كافية لسوق الناس بعصا الغلب إلى ما يراد منهم وأنه حيث كانت العصبية كانت الخلافة، واليوم وقد زالت عصبية قريش بل إن العصبية لم يعد لها مكان في حكم الشعوب وحل محلها رضاء الشعوب عن الحكام وتأييدهم لهم وشرعية السلطة فلا مكان لهذا الشرط، وهذا ما ذهب إليه ابن خلدون كما في مقدمته ومشى عليه كثير من الكتاب المعاصرين.

وتعليل النصوص بالعصبية أمر غير مسلم أصلًا وذلك لأن الأنصار كانوا أولى قوة وشوكة وكانوا أصحاب الدار (المدينة النبوية) التي يدين لها المسلمون بالولاء وبسيوفهم دخل الناس في دين الله أفواجا بين راغب وراهب فلم يمنعهم عن الخلافة إلا وجود النص على قريش ولذلك رجعوا عن قولهم (منا أمير ومنكم أمير) لقول أبي بكر (الأئمة من قريش) .

كما أن الخلافة لم تذهب لأقوى بطون قريش وأقربهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم بنو هاشم أو بنو أمية بل ذهبت إلى بني تميم وليسوا بأعز بطون قريش.

كما أن عصبية قريش لم تمنع العرب من الارتداد عن دين الله بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام ولم تعدهم العصبية إلى حظيرة الدين والدولة بل إن العصبية هي التي أدت إلى ردة معظمهم ولم يعودا إلى حظيرة الدين والدولة إلا بقوة إيمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ومنهم من ذهب إلى أن هذه الأحاديث تخالف المبادئ الإسلامية العامة كمبدأ المساواة بين المسلمين ولأن الإسلام قد نهى عن العصبية.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت