ـ و قال رجل للنبي صلى الله عليه و سلم:"أنا طبيب، قال له:"أنت رفيق و الله الطبيب"."
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم في قمة الرفق و اللين، فكان إذا أتاه طالب حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول،فلما تحاكم إليه علي وزيد و جعفر في ابنة حمزة، فلم يقض بها لواحد منهم،و لكن قضى بها لخالتها، ثم طيب قلب كل واحد منهم بكلمة حسنة فقال لعلي:"أنت مني و أنا منك"، وقال لجعفر:"أشبهت خلقي وخلقي"، و قال لزيد:"أنت أخونا ومولانا".
وجاء في"الزهد"لابن مبارك {47./1} :"عن حبيب بن حجر القيسي أنه قال:"كان يقال: ما أحسن الإيمان يزينه العلم، و ما أحسن العلم يزينه العمل، وما أحسن العمل يزينه الرفق، و ما أضيف شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم"."
ـ وكان عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ يقول:"و الله لأريدن أن أخرج لهم المرة من الحق فأخاف أن ينفروا عنها فأصبر حتى تجيء الحلوة من الدنيا فأخرجها معها فإذا نفروا لهذه سكنوا لهذه". {السياسة الشرعية} {114} .
وروى الخطيب في"تاريخ بغداد" {287/ 13} :"عن نصر بن علي انه قال:"دخلت على المتوكل فإذا هو يمدح الرفق فأكثر، فقلت: يا أمير المؤمنين أنشدني الأصمعي:
ولم أر مثل الرفق في لينه أخرج العذراء من خدرها
من يستعين بالرفق في أمره يستخرج الحية من جحرها
فقال: يا غلام الدواة و القرطاس فكتبهما"."
وقد جمع ابن القيم مقالا فريدا في صفة المؤمن الداعية إلى الله، وكيف يكون المؤمن الحقيقي متصفا بالصفات التي يحبها الله، وهو قمة التعامل بين المسلمين فتأمله، قال ـ رحمه الله ـ في"الوابل الصيب" {54} :"وهو سبحانه و تعالى رحيم يحب الرحماء، و إنما يرحم من عباده الرحماء، وهو ستير يحب من يستر على عباده، وعفو يحب من يعفوا عنهم من عباده، وغفور يحب من يغفر لهم من عباده، ولطيف يحب اللطيف من عباده و يبغض الفظ الغليظ القاسي الجعظري الجواظ، ورفيق يحب الرفق، وحليم يحب الحلم، وبر يحب البر و أهله، وعدل يحب العدل، وقابل للمعاذير يحب من يقبل معاذير عباده، ويجازي عبده بحسب هذه الصفات فيه وجودا وعدما، فمن عفا عفا عنه، ومن غفر غفر له، ومن سامح سامحه، ومن حاقق حاققه، ومن رفق بعباده رفق به، ومن رحم خلقه رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن صفح عنهم صفح عنه، ومن تتبع عورتهم تتبع عورته، ومن هتكهم هتكه وفضحه، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن شاق شاق الله تعالى به، ومن مكر مكر به، ومن خادع خدعه، ومن عامل خلقه بصفة عامله الله تعالى بتلك الصفة بعينها في الدنيا و الآخرة."
فالله تعالى لعبده على حسب ما يكون العبد لخلقه، ولهذا جاء في الحديث:"من ستر مسلما ستره الله تعالى في الدنيا و الآخرة، ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله تعالى عنه كربة من كرب يوم القيامة [11] ( http://majles.alukah.net/#_ftn11) ، و"من يسر على معسر يسر الله تعالى حسابه [12] ( http://majles.alukah.net/#_ftn12) ، و"من أقال نادما أقال الله تعالى عثرته" [13] ( http://majles.alukah.net/#_ftn13) ، و"من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله تعالى في ظل عرشه" [14] ( http://majles.alukah.net/#_ftn14) ، لأنه لما جعله في ظل الأنظار و الصبر و نجاه من حر المطالبة و حرارة تكلف الأداء مع عسرته و عجزه نجاه الله تعالى من حر الشمس يوم القيامة إلى ظل العرش.
وكذلك الحديث الذي في الترمذي و غيره عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال في خطبته يوما:"يا معشر من آمن بلسانه و لم يدخل الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوارتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته" [15] ( http://majles.alukah.net/#_ftn15) كما تدين تدان، وكن كيف شئت فإن الله تعالى لك كما تكون أنت لعباده.""
المنهج الجامع في الدعوة إلى الله:
تختلط على الناس الأقوال بين متشدد و متساهل فلا يدرون إلى أي منهج يتجهون، فبعضهم يجعل الغلظة و الشدة سيمته، و الآخر يجعل السهولة و اللين وربما التميع سمته، وخير الأمور أوسطها وكما جاء في الحكمة:"لا تكن حلوا فتبلع ولا مرا فتلفظ."
(يُتْبَعُ)