قال ابن القيم في"الوابل الصيب"في صفة قلب المؤمن:"هي الصفاء و الرقة، فيرى الحق و الهدى بصفائه و تحصل منه الرأفة و الرحمة و الشفقة برقته، ويجاهد أعداء الله تعالى و يغلظ عليهم و يشتد في الحق و يصلب فيه بصلابته ولا تبطل صفة منه صفة أخرى، ولا تعارضها بل تساعدها و تعاضدها {أشداء على الكفار رحماء بينهم} ".
فقد بان موضع الشدة و موضع الرحمة.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:"أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"، وقال:"فيما عامل به ابن أبي من الكرامة:"رجوت أن يؤمن بذلك ألف من قومه فحقق الله رجاءه""الصارم المسلول" {ص:828} ."
فعلينا اعتبار هذه الحكمة، و الإحسان إلى الرؤوس في الخطاب و تليينه معهم رجاء نفع أتباعهم و إبلاغهم الهدى و الحق.
مع العلم أن القتل جنس يقع تحته أنواع من القتل، فالواحد منا إذا صار يذم أصحابه أمام الناس، و يشهر بهم بأسمائهم، و يعيب عليهم أخلاقهم، أو أقوالهم، و لا يترك لهم مكانة عند الناس، بل يسلط عليهم الجهال،فإن ذلك ولابد أن يعود عليه بالأثر السيء، فيصير الناس يخشون من مقاربته و مخاطبته و مجالسته وغير ذلك.
و إذا حصل مثل هذا لأحدنا بالحق، لأنه تكلم بحق في مقال ضال، فهذا مثله مثل عمر ـ رضي الله عنه ـ لم يترك له الحق أصحابا، وهذا فضل و جهاد وقوة لا تجدها إلا عند الصديقين، ولكن يفرق بين الكلام عن المقال و بين الكلام في صاحب المقال الذي له أخطاء، له عليها حجج و أدلة أو شبهات علمية أو أقوال مرجوحة، و لكن يصعب علينا إقامة الحجة عليه بشكل قاطع،و نعرف منه حب السنة و الذود عنها،و القول بالحق،فمثل هذا الإبقاء عليهم، و حسن مخاطبته، و اللين معه هو الأفضل وهو المشروع و الله اعلم.
إلا أن ما سأعرضه عليك الآن يشكل المنهج الجامع في الدعوة إلى الله، الجامع لأصل الدعوة الشرعية و أخلاقها و آدابها عند علماء و أئمة السلف الصالح، فمن خلاله تعرف أن اللين و الرفق و المدارة في الدعوة إلى الله هي الأصل و الشدة استثناء له موضعه وشروطه وليس العكس.
كذلك مما يوضحه هذا النقل الجامع الغرض من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و انه ليس صدقة نتصدق بها على المسلمين فحسب، أو خيرا نتفضل به عليهم فنعاملهم من فوق، بل مبدأ:"كذلك كنتم"هو المقرر لتوجيهنا في القيام بهذا الأمر الذي هو واجب علينا وجوبا شرعيا، فحق المسلمين أن نأمرهم و ننهاهم، فإليك المقال فتأمل فيه جيدا تعرف حقيقة مذهب أهل السنة و الجماعة، و ما أوتوه من العلم بالحق و الرحمة بالخلق.
قال ابن رجب الحنبلي في"جامع العلوم والحكم" {325/ 1} :"واعلم أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يحمل على رجاء ثوابه، وتارة خوف العقاب في تركه، وتارة الغضب لله على انتهاك محارمه، وتارة النصيحة للمؤمنين و الرحمة لهم، ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه من التعرض لعقوبة الله و غضبه في الدنيا و الآخرة، وتارة يحمل عليه إجلال الله و إعظامه و محبته، و انه أهل أن يطاع و يذكر فلا ينسى و يشكر فلا يكفر، و انه يفتدى من انتهاك محارمه بالنفوس و الأموال، كما قال بعض السلف:"وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله و أن لحمي قرض بالمقاريض" [16] ( http://majles.alukah.net/#_ftn16) ، وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز يقول لأبيه:"وددت أني غلت بي و بك القدور في الله تعالى"."
ومن لحظ هذا المقام و الذي قبله هان عليه كل ما يلقى من الأذى في الله تعالى، وربما دعا لمن آذاه كما قال ذلك صلى الله عليه و سلم لما ضربه قومه فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول:"رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" [17] ( http://majles.alukah.net/#_ftn17) .
و بكل حال فتبين الرفق في الإنكار، قال سفيان الثوري:"لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر عدل بما ينهى، عالم بما يأمر عالم بما ينهى". [18] ( http://majles.alukah.net/#_ftn18)
و قال أحمد:"الناس محتا جون إلى مداراة ورفق الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجل معلن بالفسق فلا حرمة له".
قال وكان أصحاب ابن مسعود إذا مروا منهم ما يكرهون [أي مروا بأصحاب المنكر] يقولون:"مهلا رحمكم الله، مهلا رحمكم الله".
(يُتْبَعُ)