و قال أحمد:"يأمر بالرفق و الخضوع فإن أسمعوه ما يكره لا يغضب، فيكون يريد أن ينتصر لنفسه".
حل شبهة في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر:
ينتقد بعض الناس من أهل العلم أو غيرهم بعض الدعاة و الوعاظ على أشياء يرون أنها لا تليق بالداعية، ككونه يلبس بذلة أو بنطلون أو انه يخالف ما يقول وغير ذلك من أخطاء يتصيدونها أو يستنبطونها باستخراج لوازم اللوازم، أو قد تكون فعلا في هؤلاء الدعاة، أو قد تكون من المسائل المختلف فيها، فيرى المنتقد أن المنتقد عليه لا يصلح للدعوة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لأجلها، وهذه شبهة كثيرا ما تقال.
و لكن عندما نعود إلى أهل العلم العارفين بأمر الله و نهيه، العارفين بحقيقة النفس البشرية بمداخلها و مخارجها، بتقلباتها و ضعفها و قوتها، لا تجد مثل هذه الشبهة عندهم، وقد ذكر إبطال هذا الشرط عدة من العلماء الأجلاء منهم النووي في"شرح صحيح مسلم"، والحافظ ابن حجر العسقلاني في"فتح الباري"و غيرهم، إلا أن أجمع ما قرأته كلمة لشيخ الإسلام في كتابه"الاستقامة" {23./2} قال:"وليعلم أن اشتراط هذه الخصال في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر [العلم و الحلم و الصبر] مما يوجب صعوبته على كثير من النفوس فيظن أنه بذلك يسقط عنه فيدعه، وذلك يضره أكثر مما يضره الأمر بدون هذه الخصال أو قل فإن ترك الأمر الواجب معصية وفعل ما نهى عنه في الأمر معصية، فالمتنقل من معصية إلى معصية أكبر منها كالمستجير من الرمضاء بالنار، والمنتقل من معصية إلى معصية كالمنتقل من دين باطل إلى دين باطل قد يكون الثاني شرا من الأول، وقد يكون دونه، وقد يكونان سواء، فهكذا تجد المقصر في الأمر و النهي و المعتدي فيه قد يكون ذنب هذا أعظم و قد يكون ذنب ذاك أعظم و قد يكونان سواء".
والمسلم يحرص على فعل الخير و الدعوة إلى الله بقدر المستطاع، و لكنه لا يترك ذلك بأي حال، و الإنسان العاقل إذا جاء إلى شجرة تفاح فإنه يأكل ثمرها، ولا يأكل أغصانها و أوراقها و جذورها و جذعها إلا إذا فقد عقله، فهكذا بالنسبة للمستمع و المتعلم يأخذ من الداعي و الواعظ العلم النافع و لا شأن له به هو.
الرفق من المتشددين:
كنت قد ذكرت في مقال سابق ـ"كيف نعامل المخالف لنا"ـ أن أهل العلم منهم من كان يجالس بعض المبتدعة ولا يجالس آخرين، و أن سبب مجالسة المبتدعة تتعدد بحسب الظروف و الأحوال، و أن الرجل قد يكون سنيا محبا للسنة و أهلها عنده شبهات يتمسك بها، يصعب محاورته فيها أو إقناعه في تركها، ومن هؤلاء الحافظ ابن بطة العكبري الذي عرف بشدة تمسكه بالسنة و نضاله عنها، كان كغيره من السلف الذين كانوا يجالسون من لا يخاصم و يصحبهم بالجميل، كان في أصحابه أبو القاسم عبد الواحد بن علي العكبري المعروف بابن برهان، قال في"سير أعلام النبلاء" {123/ 18} :"سمع الكثير من أبي عبد الله بن بطة و لم يرو عنه."
قال ابن ماكولا:"هو من أصحاب ابن بطة ... وكان حنفيا تفقه و أخذ الكلام عن أبي الحسين البصري و تقدم فيه."
قال الذهبي: وكان يميل إلى مذهب مرجئة المعتزلة، و يعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار.""
لقد لا يعجب بعض الناس هذا المثال لحساسية عنده ولكن لنا على هذا الأمر عشرات الأمثلة و القواعد العلمية أتركها لمقال آخر.
فلا يلزم أن نجعل من هذا المثال قاعدة مطردة، ولا أن نجعل من مثال آخر قاعدة مطردة هي الأخرى، بل علينا أن ننزل كل مثال في موضعه، و نميز بين الأصل العام الذي هو الحوار و اللين و الرفق و المناظرة و الدعوة و الجدال بالتي هي أحسن، و بين الشدة و الهجر وترك المكالمة الذي هو عقوبة شرعت لحكمة و فائدة مرجوة.
فإن المسلم يسأل لمادا نقطع السارق، و نجلد المخمر، و نرجم الزاني المحصن؟
فيجد الجواب أننا نفعل ذلك في شريعتنا لحفظ الأموال و الأنساب و الأخلاق، و لحفظ الفاعلين حتى لا يقعوا في هذه الجرائم فيقعوا تحت غضب الله، فهو من باب العقوبة لهم لتطهيرهم وردع غيرهم.
ثم يسأل لماذا لا يقام حد السرقة عام المجاعة و أثناء الحروب؟
فيجد أن في المجاعة تشتد حاجة الناس إلى الطعام، فيضطر بعضهم للسرقة، و نحن لا نقطع و نعاقب من يريد أن يطعم عياله و نفسه، و لكن نعاقب من يعتدي على المسلمين، وفي الحرب نخاف إن أقمنا الحدود فر من عليه الحد إلى العدو، وهذا شر له من الحد نفسه
(يُتْبَعُ)