فكذلك على المسلم أن يسأل نفسه لماذا نهجر المبتدع، و نترك تشييخه، وعدم مجالسته ومتى لا نفعل ذلك؟
فيجد إننا إنما نفعل ذلك رحمة له ليعود إلى الحق، وحفاظا للمسلمين و لدينهم من بدعته، إذا كنا قادرين عليه، فمتى لم نكن قادرين عليه، أو لا رجاء في عودته و توبته، أو أن بدعته هي المشهورة المنتشرة، فأي شيء نحفظ بمثل هذه العقوبات؟ إن لم تكن البدعة بانعزالنا عنه، و عدم مناظرته و مجادلته و كشفه للأمة
إن على المسلم أن ينظر في كلام السلف بعقله، فيجمع بين المتماثلات و يفرق بين المختلفات، ولا يعزل السنة عن علتها و حكمتها، و الأفعال عن مآلاتها و مقاصدها فيصير يضع الأشياء في غير موضعها، فيكون كمن يضع الدواء على غير دائه.
شبهات في أسلوب الدعوة:
لقد نفع الحوار الهاديء كثيرا من الناس عبر التاريخ الإسلامي، فانتفعت به طائفة عظيمة من الخوارج ناظرها ابن عباس فعادت إلى الجادة، وكذلك عمر بن عبد العزيز، وهذه قصة إمام من أئمة الحديث كان على رأي يعده بدعة، نفعه الحوار العلمي الهاديء فها هو يتكلم عن قصته فلتكن لنا عبرة و مثالا في الدعوة إلى الله:
جاء في"تاريخ بغداد" {68/ 6} :"وذكر جماعة من العراقيين:"ما تركنا بدعتنا حتى رأينا الشافعي"، قال أبو عثمان: و حدثنا أبو عبد الله النسوي عن أبي ثور قال: لما ورد الشافعي العراق جاءني حسين الكرابيسي و كان يختلف معي إلى أصحاب الرأي، فقال: قد ورد رجل من أصحاب الحديث يتفقه فقم بنا نسخر به، فقمت وذهبنا حتى دخلنا عليه فسأله الحسين عن مسألة، فلم يزل الشافعي يقول: قال الله و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى اظلم علينا البيت فتركنا بدعتنا و اتبعناه".
قلت: هذا هو منهج أهل السنة قد يخالفه بعضهم لأسباب لا يعلمها إلا الله، و لكن الحجة في النقل عنهم و إسناد الأقوال، و بعد هذا لا يهمك من خالف، و قد يطعن عليك، فاعمل بنصيحة الشافعي ـ رحمه الله ـ:"قال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعي: ليس إلى السلامة من الناس سبيل فانظر الذي فيه صلاحك فألزمه".
و أعود فأذكر نفسي و إخواني الشباب أن الجرح و التعديل ليس من أركان الإسلام الخمسة، و لا من أركان الإيمان الستة، و إنما هو علم خص به الله أهل السنة و الجماعة ميزهم به عن غيرهم، فهو علم تاه فيه علماء كبار، فتكلم فيه بعضهم بالتعصب، و آخرون بالتمذهب، و آخرون بالتقليد، و أنصف فيه آخرون و تكلموا بعلم وعدل وحكمة، وهم معروفون للجميع، ولذلك قال ابن تيمية في"المسودة": الناس فيه بمنزلة القضاة و الشهود، وقال في"الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر": هو فرض كفاية"، و معلوم أنه فرض كفاية على أهل العلم."
وعليه، فإنه ليس فينا نحن معشر الشباب من يحق له شرعا الخوض فيه بله الاجتهاد للجرح، فهذا حفرة من حفر النار وقف على شفيرها المحدثون و الحكام، ومن منا يعد نفسه محدثا، فإذا كان ولابد منه فقولوا: قال فلان، ولا تجزموا بشيء لا تعرفوا مخرجه و محمله وحكم الأئمة في مثله، فإن العالم المستقل بمعرفة هذا العلم قد يخطيء فيه، و خطأه يغفر له، لأنه مجتهد قد حصل أسباب و أدوات الاجتهاد، أما نحن فما حجتنا عند الله إلا أننا قلدنا فلان أو فلان، فيقال لنا: من يحكم بين اثنين يسمع من اثنين، وقد سمع الكثير منا ما قاله المتنازعون، و قل من وفقه الله و يستطيع الحكم بينهم، فالزموا التقوى يرحمكم الله و يعلمكم و يهديكم سبيل الرشاد، ولا حول ولا قوة إلا بالله
و اعلموا أن سبيل المؤمنين من أهل العلم: لا يقبلون فتوى بدون أساسها الشرعي، فكل من قال أو حكم و لم يذكر أساسه الشرعي فقوله مردود عليه، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
و لا خير في الوقيعة في الناس إن لم يكن نصيحة لدين الله بالعدل و الإنصاف وعدم تجاوز الحد، فالأصل في المسلم أن يعمل صالحا، و يقول طيبا، فإن هو تكلم في الناس لغرض النصح و التحذير فليتحر الدقة و الصواب و عدم تجاوز الحد، ولا يجعل همه و نهمته في الكلام في الناس فيأتي يوم القيامة و ليس في صحيفته إلا الكلام في الناس، فإن هو أصاب فقد نجا، و إن لم يصب ولو كان مجتهدا مغفورا خطاه يجد صحيفته خلوا من العمل الصالح، قال الشافعي:"بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد".
(يُتْبَعُ)