فهرس الكتاب

الصفحة 1769 من 28557

قال في المجموع (29: 16) : إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم , فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع. وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى. وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لا بد أن تكون مأمورا بها , فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه عبادة وما لم يثبت من العبادات أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى. وإلا دخلنا في معنى قوله: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) . والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه وإلا دخلنا في معنى قوله: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا) ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وحرموا ما لم يحرمه في سورة الأنعام من قوله تعالى: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون) (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون) (وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون) فذكر ما ابتدعوه من العبادات ومن التحريمات, وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا) . وهذه (قاعدة عظيمة نافعة) . وإذا كان كذلك. فنقول: البيع والهبة والإجارة وغيرها هي من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم - كالأكل والشرب واللباس - فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة فحرمت منها ما فيه فساد وأوجبت ما لا بد منه وكرهت ما لا ينبغي واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها. وإذا كان كذلك: فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة. كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة. وإن كان بعض ذلك قد يستحب أو يكون مكروها وما لم تحد الشريعة في ذلك حدا فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي. (وانظر أيضا المجموع(4/ 196 ) )

· التعامل مع الخلق جميعا أمر مطلوب شرعا:

والمقصود هنا أن الله تعالى قد أباح التعامل مع الخلق والتعرف إليهم مع اختلافهم في ألوانهم وألسنتهم وأعراقهم وأفكارهم، أقول أباح تعالى تلك العلاقة وندب إليها مع مراعاة تقوى الله تعالى في هذه المعاملة (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم) . ودليل الندب هو لام التعليل في قوله تعالى (لتعارفوا) .

· التعامل مع الخلق لا بد أن يتضمن ابتداء قدرا من المحبة:

إن هذه المعاملة بين بني البشر هي سنة ربانية كونية، ولا بد أن تتضمن هذه العلاقة قدرا من المحبة والرحمة وحب الخير والهداية. بل لا يمكن تصور الدعوة إلى الله بدون هذا القدر من المحبة، فهل يمكن أن تدعو إلى الإسلام من تضمر له البغض والكره، ولذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة أحبابه من قرابته وعشيرته، وكذلك قريش ما كانوا ليسمعوا له لولا ما عرفوا فيه من الصدق والخير والإحسان. وما مارس رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الصدق والخير والإحسان إلا فيهم قبل دعوتهم، ولذا قال تعالى (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) فالمحبة وجدت في الناس قبل الهداية.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت