فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
/// ودعني أضرب لك مثالا. من أخبار الغيب ما رواه الطبراني في معجمه الأوسط بإسناد صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمك أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش وبين شحمة أذنيه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام.
قلت هل يمكن لعقولنا أن تتصور مثل هذا الخلق المهيب المذهل؟؟ كلا والله مهما فعلنا! بل لو حاولنا تصور رجلا - مثلا - قدمه في الأرض ورأسه عند الشمس، لما أمكننا ذلك، فما بالك بملك رأسه لا في نهاية السماء الدنيا ولا الأولى ولا الثانية ولا الثالثة ولا السابعة بل ولا عند الكرسي، بل تحت العرش!! ومع ذلك، فكلتا رجليه في الأرض السفلى! فإن حاولت تصور ذلك على ما تتصور به خلق البشر (أرجل البشر ورؤوسهم وأكتافهم وكذا) فإنك لا يمكنك تصوره، ولكن السؤال المهم هو = من الذي قال - أصلا - بأن خلقهم وصورهم التي خلقهم الله عليها تقاس على خلق البشر؟؟؟ ليس كذلك أبدا!! فلا نتكلف محاولة التصور، ولا نستفيد من مثل هذا الخبر إلا مهابة وعظمة ذلك المخلوق الذي خلقه رب العالمين في الغيب حيث لا نراه!
/// وعلى رأس الغيبيات كلها ما نسبه الله إلى نفسه في كتابه وما نسبه إليه رسوله من صفات وأفعال، كفعل النزول مثلا، فلأن عقولنا قاصرة، لم تخلق إلا بحد محدود لا تتخاطه في التصور والقياس، فإننا لا يمكننا أن نتصور كيف صفات الله جل وعلا، هذا لا تطيقه عقولنا، ولهذا قال العلماء"كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك".. غير أن عقولنا لا تحيل تحقق معاني تلك الصفات في حق رب العالمين، فهو ليس كمثله شيء، وهو خالق كل شيء، ما نراه وما نعقله وما نعقل به ونفهم، كله من صنعه هو عز وجل .. فلا نرى إشكالا عقليا في قبول معنى أنه سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة كما أخبر نبيه عليه السلام، مع عدم خلو عرشه منه سبحانه وتعالى، فهو ليس كمثله شيء مع كونه السميع البصير ..
/// قدمتُ لك بهذه المقدمة لأقرر عندك - بارك الله فيك - معنى أن حيرة العقل في تصور الشيء لا تمنعه من قبوله والتسليم به. والأخبار الواردة في باب القدر والتقدير ليس فيها ما يُفهم منه أن ما بين أيدي الملائكة بشأن عمر عبد من العباد، يطابق ولابد كل ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ في حق ذلك العبد .. وتلك الصحف بين أيديهم وإن كان فيها عمره إلا أنها ليس فيها أجله .. ومع أنني لم أر نصا بهذا المعنى، ولكن حتى أزيل عنك الشبهة بعون الله أقول، ما الذي يمنع - عقلا - من أن يكون ما في اللوح المحفوظ كالتالي:"فلان ينزل على الملائكة في الابتداء أن عمره خمسون سنة، ثم في يوم كذا، يُنسأ له في ذلك العُمُر، فينزل على الملائكة أن عمره أصبح ستين سنة، وفي الأخير فإن أجله يأتي بعد ستين سنة، فينزل الأمر الإلهي لملائكة الموت أن تقبضه حينئذ".. فما يكون في صحف الملائكة إنما هو جزء مما هو مكتوب في اللوح المحفوظ، مقدر من قبل خلق السماوات والأرض، وليس كل ما في اللوح .. فالله قدّر في التقدير القديم أن عمر الرجل سيزداد بإذنه سبحانه، أما الأجل فهو من القديم مقدر على ما يكون عليه العمر من بعد هذه الزيادة، لم يتقدم ولم يتأخر ساعة، إنما الذي تغير هو عمر الرجل كما كتبته الملائكة في صحفها ..
/// القصد يا أخي بارك الله فيك، وحتى لا نخوض فيما ليس لنا الخوض فيه، أن المعاني مؤتلفة متفقة لا إشكال فيها لو تأملتها بروية، ذلك أن معنى كون الأجل مقدرا مسبقا لا يتقدم ولا يتأخر، لا تعارض بينه وبين كون الله تعالى قد كتب في تقديره القديم - أيضا - أن فلانا هذا عمره سيزيد (وليس أجله) .. أما الملائكة في ألواحها فلا تعلم إلا ما أعلمها الله مما في اللوح، وليس كل ما في اللوح.
أرجو أن يكون الإشكال قد زال عندك بهذا، فضلا عما تفضل به الشيخ السكران وفقه الله ..
هذا والله أعلى وأعلم.
ـ [خزانة الأدب] ــــــــ [29 - Jul-2009, صباحًا 02:00] ـ
المشكلة أيها الأخ الفاضل تكمن في اعتقاد صحة المنطق الأرسطي مطلقًا، وتطبيقه على عالم الغيب!
اللوح المحفوظ = اللوح الآخر = 50، فإن زاد العدد أو نقص فعلى حساب اللوح المحفوظ!
أي عقلية 1 + 1 = 2!
والحقيقة أن المنطق الأرسطي لا يصح إلا في جزء من عالم الشهادة فقط، ثم تنقطع أنفاسه عند حدود العالم المنظور!
وهذا مثال صغير يعرفه شداة الرياضيات:
الأرقام الفردية لا نهائية، وكذلك الأرقام الزوجية (لأن أكبر رقم فردي أو زوجي نتصوره يقبل إضافة 2 إليه!)
يقول المنطق الأرسطي: الأرقام نصفها زوجي ونصفها فردي!
ولكن المنطق الرياضي الحديث يقول: كلا! فعدد الأرقام الفردية هو نفس عدد الأرقام الفردية + الزوجية! وهو نفس عدد الأرقام القابلة للقسمة على 3، أو على سبعة، أو على أي عدد آخر؟ لماذا؟ لأن الجميع لا متناهي، ولا يجوز أن يوصف اللامتناهي (أ) بأنه أكثر من اللامتناهي (ب) !
ومثال رياضي آخر: من بديهيات الهندسة التقليدية (الإقليدية) أن المتوازيين لا يلتقيان، وأن مجموع زوايا المثلث 180، ولكن الرياضيات الحديثة تشتمل على هندسات (لا إقليدية) يلتقي فيها المتوازيان ولا يكون مجموع الزوايا 180!
إذن لا يجوز - علميًّا - تصور عالم الغيب بعقلية 1 + 1 = 2
(يُتْبَعُ)