وأمّا إن كانت بقصد التعالي أو التنقيص من المحاوِر، فهذا ممّا يتعلّق بسرائر الناس، والله وحده يعلمه. ولا يصحّ لنا أن نتهم المحاور في نيّته، إذا ما استعمل هذه الصيغة، أو نحملها محمل التضليل.
والحوار الخلافي السجالي بين اثنين، إذا لم يكن -ابتداءًا- ناشئا عن اعتقاد كلٍّ منهما أنّ الصواب إلى جانبه، فقَد هذه التسمية. وما من مناظرة إلاّ وسبب وقوعها اعتقاد كلٍّ من الطرفين أنّه على حق. فإذا قال أحدهما للآخر:"هداك الله"أو"وفّقك الله"، لم يسئ الأدب، لا مع الله -جلَّ شأنه- ولا مع محاوره؛ بل هو يسأل الله أن يهدي محاورَه إلى الحقِّ الذي يراه.
وصيغة الدعاء في المخاطبات والمراسلات ليست حشوًا، بل هي ممّا يزان به البيان. واستخدامها في الحوار قد يلطِّف مِن حدَّته، ولو كانت نية قائلها غير ذلك. فالعبرة بالمستمع، لا بالقائل. ومثال ذلك: استخدام بعضنا لعبارة"اتَّق الله"في الحوار يتقبّله العقلاء على أنّه نصيحة، ولو كان قصد قائله التعريض بالمحاوِر؛ ويرفضه بعض الجهلة بشدّة ويعتبرونه انتقاصًا، ولو كانت نية قائله سليمة. ولهذا كان من الأدب ألاّ تستعمل مثل هذه العبارات أثناء الخصومات أو أن يخاطَب بها الغضبان، خشيةَ أن يسيء المخاطَب بها إلى الله تعالى أو إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وإن كان اللوم والإثم يقعان على المسيء لا على القائل.
فاستعمال بعضهم لمثل هذه العبارات للطعن لا يعني أنها مطعون فيها؛ بل المطعون هو الطعن نفسه، سواء كان بصيغة الدعاء أو غيره.
وإذا كان فيها إشعار بخطأ المحاور وحيدته عن الصواب، فما الذي يضير في ذلك؟ وما الفرق بين قولنا"هداك الله إلى الصواب"وقولنا"أخطأت"؟
وقديمًا أجرى بعض الشعراء هذه العبارة على لسان الذئب، فجاءت على النحو الذي أشرتُ إليه، إذ قال:
فقلتُ له: يا ذئبُ هل لك في فتى --- يواسِي بلا مَنٍّ عليكَ ولا بخلِ
فقال: هداكَ الله للرُّشد إنّما --- دعوتَ لما لمْ يأتِه سبُعٌ قبْلِي
والأنسب المحبَّذ في هذا الباب: أن يبدأ المرء بالدعاء لنفسه قبل محاوره، كأن يقول:"هداني الله وإياك"أو"هدانا الله إلى الصواب"وما إلى ذلك ... وكنتُ قرأت هذا المعنى لبعض السلف، لكنه لا يحضرني الآن.
والله أعلم.
ـ [أسامة] ــــــــ [10 - Nov-2009, مساء 07:26] ـ
أخي الواحدي ...
بارك الله فيك ...
ألا ترى أن استخدام ذكر الله متمثلًا في الدعاء للنيل والتعريض واللمز سوء أدب مع الله؟
ألا ترى أن هذا يدخل في باب سوء الدعوة للأشخاص؟
ألا ترى أن الحق لا يعرف بالرجال؟
ألا ترى أن الحق ليس ظنونًا وإنما قال الله قال الرسول؟
ألا ترى أن من يعظم الله يعظم شعائره؟
ألا ترى أن تعظيم الشعائر إنما يكون بعيدًا عن الرياء والسمعة واللمز والقيل؟
ألا ترى أن بيان الحق بالأدلة الشرعية لا يحتاج إلى هذه الأدعية؟
ألا ترى أن استخدامها قد يأتي بنتيجة عكسية ويكون منفرًا من الحق الذي يتشدق الداعي بأنه داع له؟
-أما المنع، فله وجاهة عند أهل العلم المعتبرين مما قد سمعناه أثناء تربيتهم لنا، فليس هذا بجديد على طلبة العلم، وذكر الله أثناء النصح للتذكير به، ترغيبًا وترهيبا، وحال المعتدي على دين الله وبعذابه، تقده قيادة إلى التوبة لما هو واضح من الأدلة المسبقة إن كان مخالفًا، وتعلمه إن كان جهله بسيطًا ... والمركب يزاد عليه من البيان.
فاللفظة التي تحتمل احتمالات لا تستخدم في الحوار ويستعمل غيرها،
قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا}
قال أهل العلم إنما النهي لأن اليهود استخدمت هذه الكلمة للسخرية والاستهزاء من الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم- وكذا أثر قتادة عند الطبري أنه قول كانت تقوله اليهود للاستهزاء فزجر الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم.
ومن منظور مقاصد الشريعة ... تجد أن أهل الإيمان لن يستخدموا مثل هذه الكلمات للنيل ولا السخرية، ولكن المنع حتى لا يحتمل الكلام احتمالات لا تحسن.
فهذا مراد الله في أمر خاص بالخطاب.
اعتذر لضيق الوقت ...
لربما أكمل لاحقًا إن شاء الله ويسر ذلك.
بارك الله فيكم ونفع بكم.
ـ [أبو عمير الكريمي] ــــــــ [11 - Nov-2009, صباحًا 12:04] ـ
جزى الله كل المداخلين خير الجزاء على هذه الفوائد والدرر
أود أن ألفت الانتباه إلى شيء وهو أنه قد يرد شخص على مقال أو موضوع والرد كله يكون من باب ما ذكرتم من شهوة التصدر وحب الظهور بدون أن يستخدم هذه الألفاظ ويعتمد على تفسير بعيد جدا لما أراده الكاتب ويخلق بلبلة وحربا مصطنعة لا وجود لها ولكن الشهوة الخفية هي الدافع لذلك وأظن أن هذا ما يقع عليه نهي السلف عن المجادلة من أن تجادل من أتاك يتصدر ويتضح لذي البصيرة من نفس الكاتب أو طريقته فساد النية وذلك بالتأويلات المتكلفة وأشباهها.
وأضيف وقد يكون هذا أيضا لتوهم إشكال يخلط على كلا المتحاورين فيريد كل منهما شيئا لم يدركه الآخر ومن الطرف أنني اظن أن هذا هو من جنس ماحصل بين شيخنا أسامة و شيخنا الواحدي فحسب ما لمسته أن كلام الشيخ أسامة يتناول من يرد ويلمز باستخدام هذه الكلمات التي يفهم منها لمز المردود عليه غير أن ظاهرها يجعله في مأمن من الاتهام أو الاعتذار مما يثير حنق الطرف الآخر، بينما الشيخ الواحدي أراد من كتب تلطفا وتنزلا واقتداء بآداب المناقشة وما درج عند السلف مع من لا يعلم إصراره أو معاندته وإنما يغلب على الظن إرادته للحق.
ومن الطريف أن تقرأ كيف تخاطبا مع بعضهما:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أخي أسامة:
وفّقني الله وإياك إلى الصواب بإذنه.
أخي الواحدي ...
بارك الله فيك ...
(يُتْبَعُ)