ولا يقولن قائل إن تقسيم الصفات إلى صفات فعلية وصفات ذاتية (مثلا) هذا تقسيم حادث لم يتكلم به السلف، ومن ثم فالسلامة في ألا نتكلم به! هذا غير صحيح، بل تكلم السلف بمثله ولم يمتنعوا ما دعت الحاجة إلى ذلك التقسيم، وحدوث التصنيف والتقسيم والاصطلاح في أبواب العلم لا يمنع لمجرد كونه حادثا! وقد قسم أئمة السلف من التابعين ومن تبعهم ومن تبع أتباعهم تقاسيم كثيرة في مختلف أبواب العلم ولم يستقبح أحدهم ذلك لمجرد حدوثه، فقسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام، وقسموا الأعمال والأقوال إلى أربعة أقسام، وقسموا الدين إلى أصول وفروع، وغير ذلك من تقاسيم وتراتيب علمية دعت إليها الحاجة ولم تخرج إلا من جملة فهوم السلف الأول للكتاب والسنة.
/// والمسألة التي بين أيدينا مسألة دقيقة ترد الشبهة فيها من جهة تصور البعض أن حال عدم النظر إلى مخلوق من المخلوقات أو عدم سماعه يلزم منه النقص في الموصوف به، فمن هنا تخوف من تخوف من القول بأن من المخلوقات ما لا ينظر إليه الخالق جل وعلا أو لا يسمعه .. ولكن هذا التصور فاسد من وجوه:
/// /// لو كان يلزم من عدم النظر إلى مخلوق من المخلوقات في حال من الأحوال ورود النقص في حق الخالق جل وعلا للزم مثل ذلك من حال عدم الكلام - مثلا - وليس يلزم، فالله لم يزل متكلما بما يشاء متى يشاء، وكذا فهو سبحانه لم يزل ناظرا إلى ما يشاء من خلقه متى يشاء، مستمعا إلى ما يشاء من خلقه متى يشاء. والنقص من عدم السماع أو الإبصار لمعيَّن من المخلوقات في حقنا نحن المخلوقين إنما يكون بالنظر إلى كون علمنا بالأشياء لا يأتينا إلا من السمع أو البصر، فإن لم نر الشيء أو نسمعه فإننا نحتاج إلى من يخبرنا عنه حتى نكتسب المعرفة به (كعلم يسبقه الجهل) وليس الأمر كذلك في حق الله سبحانه وتعالى، فصفة العلم في حقه جل وعلا أزلية وهي منفكة عن السمع والبصر، وإحاطة علمه بالموجودات سابقة على خلق المخلوقات، فلا يخرج منها شيء قط! فهو سبحانه إن شاء ألا ينظر إلى مخلوق من مخلوقاته فإن هذا لا يعني أنه سبحانه قد انتقصت بذلك إحاطته بأحوال ذلك المخلوق! بل هو سبحانه - وإن شاء ألا ينظر إلى عبد من عباده - لا يحتجب عن علمه شيء في حال من الأحوال، وهو القائل جل وعلا: (( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) ) [قـ: 16]
/// /// وفي الحقيقة فعند التأمل في معنى السمع والإبصار لآحاد المسموعات والمنظورات، فإننا نرى أنه حتى في المخلوقين فإن معنى كون المخلوق ليس بناظر إلى شيء آخر من المخلوقات في أي حال من الأحوال = ليس يلزم منه - بمجرده - النقص في حق ذلك المخلوق، إذ هو اختار وشاء ألا ينظر بمحض مشيئته، وليس لعجزه عن ذلك، ولو شاء لنظر! أما ما كان من عجز المخلوق عن رؤية شيء يريد رؤيته فهذا ولا ريب يتنزه عنه الخالق جل وعلا، (( عَالِمِ الْغَيْبِ لا يعزبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) ) (سبأ: 3)
فالقصد أن مجرد معنى عدم النظر لشيء من المخلوقات في حال من الأحوال هذا لا يلزم منه النقص لا في حق المخلوق ولا في حق الخالق جل وعلا!
وأنت إذا ما علمت أنه ما من كلمة تنطق بها إلا والله عليم بها وهي عنده في كتاب من قبل أن تخلق السماوات والأرض، لم يشكل عليك معنى عدم سماع الله لك في أي حال من أحوالك، فهو سبحانه وتعالى منزه عن نقائص المخلوقين، لا يشغله سمع عن سمع ولا بصر عن بصر، ولا يخفى عليه شيء.
/// /// والصفات إما ذاتية وإما فعلية، فالأولى لا تتعلق بالمشيئة إذ لا تنفك عنها الذات في حال من الأحوال، وأما الثانية فتتعلق بالمشيئة .. إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، سبحانه وتعالى. فالسمع والبصر كالكلام من جهة كون أصل القدرة على ذلك ملازمة لذات الله تعالى لا تنفك عنها، إذ لم يزل الله تعالى متكلما متى شاء بما يشاء، لم تحدث تلك الصفة لذاته بعد أن لم تكن! وكذا لم يزل ناظرا ومستمعا لما يشاء متى يشاء. ولكن كما هو ظاهر فإن صفتي السمع والبصر لهما تعلق بالموجودات المخلوقة، فإن لم يوجد ما يُسمع في الوجود لم يوجد فعل السمع من الله تعالى، وكذا يقال في البصر. فكل حال انعدم
(يُتْبَعُ)