فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وأدرك يقينًا أن كثيرًا من العلماء الصادقين وهم يرون جلد الإعلام الشاذ في ترويض الاختلاط موزّعو العقل والقلب بين ما يؤمنون به وما يرون تحت بصرهم من الوحي الصادق والإجماع الثابت على حرمة الاختلاط في التعليم والعمل وبين ما يراد أن يُفعل، وقلّة حيلتهم استحكمت عليهم فلزموا الصمت، والصمت خيرٌ ولكن في غير هذا الموضع، لأن الساكت يُحمد إذا لم يُنسب إليه قول، وأما في حال نسبة القول إليهم فالسكوت عن قول الحق في معنى النطق بالباطل، وهذا ما وصف الله به اليهود قال الله تعالى: (سماعون للكذب أكالون للسحت) فجعل سمعهم الكذب وكذبهم سواء.
وأما من يخالف ما قاله الشيخ عبد الرحمن البراك بجهالةٍ، وهو خال القلب من نور الوحي، أو طال انحناء ظهره لسطوة الإعلام فطال أمده فظن أنه إنما خُلق أحدب الظهر، فاستروحت نفسه وجسده الانحناء، وتألمت مع القوام، فحاله لا تُغير ما خلق الله البشر عليه: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) ، وللقلب انحناءة كانحناءة الجسد وقوام كقوامه.
وكثيرًا ما يعجز حملة الأقلام عن التحرر من نيران الشبهات، ونصرة ما حقه النصرة، وخذلان ما حقه الخذلان، لقوة الإعلام في تقزيم عملاق وعملقة قزم، وتهيب إرهاب الإعلام بألفاظ مثل التشدد والغلو والتخلف، فتوءد الجسارة على قول الحق واعتقاده في قلوب الكثير.
والسكوت لا عبرة به في موازين الحق، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن السكوت سيصل حدًا أبعد من تقرير مسألة الاختلاط، ولكن الحق حقٌ والباطل باطل، فيروى عند ابن حبان والحاكم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق فيكون خيارهم يومئذٍ من يقول لو واريناها وراء هذا الحائط) .
وما يضر الحق تسمية أهل الباطل إياه باطلًا، فضلًا عن سكوت الساكتين عنه.
ولتوضيح الرأي حول ما قاله الشيخ عبدالرحمن البراك فالحديث عنه من عدة جهات:
أولًا: بخصوص تحريم الاختلاط، فهذا مما لا يُخالف فيه أحدٌ من علماء الإسلام من سائر المذاهب المتبوعة ونص على الإجماع أئمة كثير، وقد بَسطت المسألة في كتاب "الاختلاط تحرير وتقرير وتعقيب" يَنبغي الرجوع إليها لمعرفة نصوص الشريعة وإجماع الأمة عبر القرون، ولا عبرة بمقالاتٍ تُنشر هنا وهناك لمنتسبي الفقه في القرن الخامس عشر.
ثانيًا: وأما بشأن ما نص عليه الشيخ من تكفير المستحل مع إقراره واعتقاده بلزوم الاختلاط لبعض المحرمات القطعية معلومة التحريم في الإسلام ضرورة، فقد مثل الشيخ لبعضها (النظر المحرم والكلام الحرام والتبرج والسفور الحرام) وقد حكى الإجماع على كفر مستحلها غير واحد من العلماء في مواضع مختلفة كابن تيمية في "الفتاوي" (5/ 449) وابن مفلح في مواضع وخلق من فقهاء المذاهب الأربع.
فالاختلاط المقصود هو الاختلاط في التعليم والعمل، وأما الاختلاط العابر كالأسواق والمساجد والطرقات بلا ممازجة ومماسة فهذا يفعله الناس في كل العصور علماء وعامة لم يقصده أحدٌ في تحريم وإيراده على العلماء يدل على عدم معرفة بالنصوص وفعل القرون المفضلة أو تجاهل ومكابرة.
ثم إنه من المقطوع به في مسائل الاعتقاد أن من استحل المباح في ذاته اللازم لزومًا لا ينفك بأي حال عن المُحرم القطعي المعلوم من الدين بالضرورة، وأُقر الإنسان على هذا اللزوم فأقر به ومع ذلك يستحله، فحكمه كحكم مستبيح المُحرم القطعي أصلًا، لأنه لا يمكن أن ينفك الكفر عن لازمه القطعي ووسيلته التي لا توصل إلا إليه أو إلى غيره معه يقينًا، وهذا خاص باللازم القطعي لا باللازم الظني ولا الأغلبي، وهذا في الأمور معلومة الإباحة التي لم يرد فيها نص بذاتها بالتحريم، فكيف وقد جاءت النصوص وأجمعت الأمة على تحريم الاختلاط.
(يُتْبَعُ)