قال تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الزمر:65) فتأمل هذه الآية جيدا فالمخاطب بها هم أعظم الناس أخلاقا.
وقال عز وجل: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (الأنعام:121)
وهذه الآية أيضا خوطب بها أعظم الناس خلقا ودينا ومحبة لله وخشية له، فهؤلاء إن وقع منهم ما يناقض توحيدهم كانوا أهون عند الله من الجعلان، فكيف بمن هو دونهم.
فلو أن المسلمين في ذلك الوقت وافقوا على تبديل حكم واحد من أحكام الله وهو حكم الميتة من الحرمة إلى الحل كانوا بذلك من المشركين في حكم أحكم الحاكمين، فلا ينفعهم بعد هذه الموافقة والطاعة عمل صالح و لا خلق حسن، ولا ينفعهم قول لا إله إلا الله ولا سَبْقهم في الإسلام ولا صحبتهم لرسول الله، مع أنهم أطاعوا المبدِّل في تبديله في تغير حكم واحد لا غير وباقي الشريعة كما هي لم يغيروا منه شيئا، فكيف بمن يبدل بنفسه أحكام الله ويشرع ما لم يأذن به ربه ومولاه!! وكيف بمن يواليه مع فعله هذا وينصره ويتبعه؟!!
فاعلم أيها السائل أن أول ما يجب عليك هو معرفة دين الإسلام الحق الذي صار غريبا في هذا الزمان ولابد لكي تعرفه أن ترجع إلى كتاب الله فقد بين الله عز وجل في كتابه ملة إبراهيم التي أمرنا باتباعها وسفّه من رغب عنها، فتأمل ما دعا إليه رسل الله، وما هو أول ما استفتحوا به دعوتهم؟ وما هو الأصل الذي اجتمعوا عليه؟ وما هو الخلاف بينهم وبين قومهم؟ وهل كان الرجل يدخل في هذا الدين بمجرد النطق بكلمة التوحيد مع استمراره على شركه واعتقاد أنه على حق وأن دين قومه لا يتعارض مع الدين الجديد؟
تأمل في كتاب الله لو كان الإسلام يحصل بمجرد النطق بكلمة التوحيد لماذا أنكر المشركون ترك آلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله؟ ما علاقة النطق بهذا الكلمة بترك عبادة غير الله واعتقاد بطلانها؟
تأمل في كتاب الله ما ضرب الله فيه من أمثال، كقوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر:29)
هذا العبد الذي له أكثر من سيد هو مثل المشرك يعبد الله ويعبد غيره
وهذا العبد الذي له سيد واحد هو مثل الموحد لا يعبد إلا الله
هذا مثل بسيط، فهل يعقل هذا أكثر الناس اليوم؟
إذا تعدد الحكم والشرع ولم يكن مصدره واحدا .. فهل يمكن مع هذا أن يكون المتبع لشرع الله وشرع غيره مسلما موحدا كالعبد الذي لا يطيع إلا سيدا واحدا؟!
إبراهيم عليه السلام لما قال له ربه أسلم قال: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (البقرة:131) ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ربه أن يقول: (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) (آل عمران: من الآية20) وبلقيس لما أسلمت قالت: (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (النمل: من الآية44) وكل شيء في السموات والأرض يخبر الله أنه مستسلم لله وحده (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) (آل عمران: من الآية83) وقد جعل الله عز وجل دينه الذي يرضاه من عباده الإسلام وهو إخلاص الاستسلام لله وحده دون شريك (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) (النساء: من الآية125) هذا هو الإسلام أن تستسلم لله وحده باتباع ما جاء به رسوله وأن تكون على ملة إبراهيم.
فهل تنفع الناس اليوم أخلاقهم وهم مستسلمون لغير الله باتباع شرائع ومناهج وقوانين ما أنزل الله بها من سلطان ولا أذن بها ولا رضي عنها.
(يُتْبَعُ)