فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لو كان عادلا لقال هذا من قبيل الإصلاح السياسي الديني، أي أنها سياسة إصلاحية دينية، ذلك أن توحد الناس على المشتركات أنفع لهم من الاختلاف فيها، ولذلك ينتفع الناس حين يتوحدون على معنى الماء والدواء والفرح والحزن، فلو كان معنى الماء والدواء والفرح والحزن عند طائفة بأي لسان كان غير معنى الماء بأي لسان كان عند طائفة،لفسد على الناس حالهم و معاشهم ومزاجهم , فكيف بالقرآن الكريم الذي هو الفصل ليس بالهزل , فتوحيد الناس على ما هو الحق حري بالعاقل مدحه والثناء عليه لا العكس.
* في محاضرة لأركون في ندوة الإسلام والحداثة يقول تحت عنوان " الحداثة ومشكلة المعجم الاعتقادي القديم " حين اعترض عليه أحد الحاضرين وطلب منه احترام المقدسات وخاصة الوحي والتنزيل أجاب أركون: (بالطبع، معك بعض الحق، وقد نبهت منذ البداية إلى أنه ينبغي أن نسير في موضوع الحداثة بتؤدة وبطء فالأرض مزروعة بالألغام، ولكنك تستخدم كلمات كثيفة جدًا ومثقلة بالدلالات التاريخية دون أن تحاول تفكيكها أو تحليلها ... ، كل هذه التعابير المصطلحية الأساسية التي ورثناها عن الماضي " كمفردات الإيمان والعقيدة بشكل خاص " لم نعد التفكير فيها الآن، ونحن نستخدمها وكأنها مسلمات وبدهيات ونشر بها كما نشرب الماء العذب، هذا ما تعودنا عليه منذ الصغر ومنذ الأزل، ولكن إذا صممنا على أن ندخل فعليًا في مناخ الحداثة العقلية، فماذا نرى؟ ماذا تقول لنا الحداثة بخصوص هذه المفردات الضخمة الكثيفة التي تملأ علينا أقطار وعينا؟، ماذا تقول لنا بخصوص هذه المصطلحات الإيمانية المشحونة بالمعاني وظلال المعاني ... عندما يستخدم المرء بشكل عفوي هذا المعجم الإيماني اللاهوتي القديم لايعي مدى ثقله وكثافته وشحنته التاريخية وإبعاده المخفية، وكل الأخطار المرافقة لاستخدامه، فمثلًا عندما يقول المؤمن التقليدي أن هناك أشياء لاتتغير ولاتتبدل، وعندما يقول هناك المقدس " أو الحرم باللغة الإسلامية الكلاسيكية ".وينبغي عدم التساؤل حوله أو مسه، وعندما يقول: هناك الوحي، وكل هذه الأديان انطلقت من النقطة نفسها: الوحي ... الخ عندما يقول كل ذلك فإنه يستخدم لغة كثيفة أكثر مما يجب، هكذا تلاحظون أني استخدم صفة كثيفة أو ثقيلة " بمعنى الوزن " الحيادية لكيلا أطلق أي حكم قيمة، ماذا تعني هذه الكلة؟ إنها تعني أن كواهلنا تنؤ تحت ثقل أكياس هذا المعجم القديم، فهو أثقل من أن نحتمله أو نستطيع حمله بعد الآن، ... ففي هذه الأكياس " أكياس المعجم التقليدي " أشياء كثيرة لا شيء واحد، وينبغي أن نفتحها لكي نعرف ما فيها، لم نعد نقبل الآن بحملها على أكتافنا وظهورنا دون أي تساؤل عن مضمونها كما حصل طوال القرون الماضية، ماذا تقول لنا الحداثة بخصوص كل واحدة من هذه الكلمات والمصطلحات التيولوجية القديمة؟، ماذا تقول لنا إذا ما قبلنا أن ندخل فعلًا في مناخ الحداثة ونتنفس هواها الطلق؟) (الاسلام والحداثة 327 - 328.
هذا الرجل يُعاني من الاحباط والألم والمعاناة كما ذكرت آنفا ولذلك، يتذمر من الثقل والكثافة والأكياس المُعبأة، فهذا شعوره وإحساسه يُريد أن يسحبه على الآخرين , ولو علم بسعادة أهل الإيمان في إيمانهم، لجحد ذاته وأنكرها بدلا من أن يجحد الحقائق الكبرى، يريد أن يقضي على الآخرين بحاله هو، كمثل الأحول يقضي على مايرى بعدديته هوعن طريق عينيه هو، لا بعدديتم عن طريق أعينهم الصحيحة ..
ثم يسترسل في كلامه ليصل إلى قضية " الوحي " فيقول: (أتمنى هنا عندما تلفظ كلمة الوحي أن تشعر بأنها كلمة شديدة الخطورة والأهمية، وأنه لايُمكننا استخدامها بسهولة وبمناسبة ودون مناسبة، بمعنى أننا لانفهمها جيدًا، وإنها بحاجة؛ لأن تخضع لدراسة جديدة دقيقة لاتقدم أي تنازل للتصورات الألفية التي فرضتها العقائد الدوغمائية الراسخة، أتمنى أن ننظف من كل ما علق بها من أوشاب ايديولوجية، وذلك لأن العقائد الدوغمائية الراسخة تحمل في طياتها الكثير من الايديولوجية ... إن عملنا يتمثل في عزل، وفرز كل ما أضيف إلى كلمة وحي من أشياء تثقلها وتجعل منها أداة ايديولوجية أو آلة ايديولوجية من أجل الهيمنة والسيطرة، وليس فضاء للمعرفة المنفتحة على الكون، وهذا إشكالي، فنحن لانعرف بالضبط ما هو الوحي،
(يُتْبَعُ)