فهرس الكتاب

الصفحة 27182 من 28557

وحين أكتب عن ورع أم المؤمنين - عائشة رضي الله عنها - وزهدها وخوفها من خالقها .. تتلاشى عند ذلك الكلمات .. وتهرب حينئذٍ المعاني خجلًا أن تدرك بلوغ الثناء الذي يليق بها.

لقد كانت رضي الله عنها رمزًا في الكرم .. وغاية في العظمة وسخاء النفس .. كيف لا .. وقد تعلمتها ممن كان أصل الكرم والوفاء؛ ومعلم البشرية كلها أخلاق الخير؟

بعث معاوية رضي الله عنه وعن أبيه إليها مرة بمائة ألف درهم .. فما أمست حتى فرقتها .. فقالت لها خادمتها:

"لو اشتريت لنا منها بدرهم لحمًا؟ فقالت: ألا قلتِ لي".

وقال عطاء:

"إن معاوية بعث لها بقلادة بمائة ألف، فقسمتها بين أمهات المؤمنين".

وقال عروة - ابن أختها-:

"إن عائشة تصدقت بسبعين ألفًا .. وإنها لترقع جانب درعها. رضي الله عنها .. تجود بالنفس إن ضن البخيل بها .. والجود بالنفس أغلى غاية الجود".

وبعث إليها ابن الزبير رضي الله عنه بمال بلغ مائة ألف .. فدعت بطبق فجعلت تقسم في الناس .. فلما أمست قالت:

"هاتي يا جارية فطوري، فقالت: يا أم المؤمنين أَما استطعت أن تشتري لنا لحمًا بدرهم؟ .. قالت: لا تعنفيني .. لو أذكرتيني لفعلت"

وكانت قمة التواضع فلا ترى نفسها شيئًا- وهيَ من هيَ -وكانت تخاف ثناء الناس عليها فلا تودّ سماعه مخافة الفتنة.

جاء ابن عباس رضي الله عنهما يستأذن على عائشة وهي في الموت، وعند رأسها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن .. فقيل لها: هذا ابن عباس يستأذن.

قالت: دعني من ابن عباس لا حاجة لي به ولا بتزكيته.

فقال عبد الله: يا أمّه .. إن ابن عباس من صالحي بنيك، يودِّعك ويسلم عليك.

قالت: فأْذن له إن شئت

قال: فجاء ابن عباس .. فلما قعد قال: أبشري فوالله ما بينك وبين أن تفارقي كل نصب .. وتلقي محمدًا صلى الله عليه وسلم والأحبة .. إلا أن تفارق روحُك جسدك"."

كنت أحبَّ نساءِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه .. ولم يكن يحب إلا طيبًا .. سقطت قلادتك ليلة الأبواء .. وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلقطها .. فأصبح الناس ليس معهم ماء، فأنزل الله:

(فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا)

فكان ذلك من سببك .. وما أنزل الله بهذه الأمة من الرخصة .. ثم أنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سماوات .. فأصبح ليس مسجدٌ يذكرُ فيه اسم الله إلا براءتك تتلى فيه آناء الليل والنهار.

قالت: دعني يا ابن عباس فو الله وددت أني كنت نسيًا منسيًا"."

وقال ابن أبي مُليكة:

إن ابن عباس استأذن على عائشة وهي مغلوبة فقالت: أخشى أن يُثني عليًّ .. فقيل: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وجوه المسلمين .. قالت: ائذنوا له .. فقال: كيف تجدينك؟ .. فقالت: بخير إن اتَّقيتُ .. قال: فأنت بخير إن شاء الله .. زوجةُ رسول الله ولم يتزوج بكرًا غيرك، ونزل عذرك من السماء.

فلما جاء ابن الزبير .. قالت: جاء ابن عباس وأثنى عليًّ وودت أني كنت نسيًا منسيًا.

رضي الله عنها قمة التواضع؛ ومنتهى الذلة لله .. وهي تعلم أنها من أهل الجنة؛ المحبوبة لخالقها سبحانه.

فالواجب علينا كمسلمين اعتقاد هذه العقيدة دون النظر لأقاويل المرجفين الدخلاء على ديننا وشرعنا .. فمن لم تكن أمه عائشة فلا أم له.

ويكفي أن الله سماها أم المؤمنين هي وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

فمن لم تكن عائشة أمه فليس بمؤمن .. ومن تبرأ منها فحريُّ به أن يحال بينه وبين جنان الخلد.

فإذا اعتقدت موالاتها ومحبتها .. فاعلم أنك عملت عملًا عظيمًا تستحق عليه الأجر من الكريم الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا.

واعلم أنه لا يحزن على عائشة إلا من كانت هي أمه.

وأما أولئك السقط المتهافتون وراء الإفك .. الصادون عن الحق .. الطاعنون في خير الخلق .. فإياك وإياهم .. واحذر طريقهم .. فإنهم يقودون إلى الهاوية والتبرأ من خير البشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .. وموالاة كل كافر وفاجر

فقُم أيها القارئ واقرأ سيرة سلفك الأطهار وعش معهم .. وهلَّ الدمع على الدّين الذي كانوا ينعمون به والأخلاق التي يتصفون بها.

لعل ذلك أن يكون سبب رحمة الله لك .. فإذا طويت الصفحات .. فتذكّر قول القائل:

الله يشهد ما قلّبت سيرتهم يومًا وأخطأ دمع العين مجراه

لا تحسبوه شرا لكم

فوالله .. لقد صدق الله:

(لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت