فهرس الكتاب

الصفحة 28496 من 28557

ثم إن زواج الرجل القبلي من امرأة غير عربية , أمر مقبول - وربما مرغوب عند البعض - ومع ذلك لم يحدث ضياع أو اختلاط للأنساب ولم نسمع من يذكر ضياع الأنساب واختلاطها!

فهل إذا تزوجت المرأة القبلية من رجل عربي غير قبلي تختلط وتضيع الأنساب .. وإذا تزوج الرجل القبلي من غير عربية لا تختلط ولا تضيع الأنساب؟!

إن ادعاء الخوف من اختلاط وضياع الأنساب بمثل هذا الزواج , أمر يوهم أن الأنساب وكأنها كانت محفوظة تمامًا من الضياع والاختلاط طوال التاريخ , وهذا مخالف للواقع.

إذ هناك جزء من تاريخ الجزيرة العربية - ذات الأحوال المضطربة - مفقود ولم يدوّن , كما أن بعض القبائل المعاصرة هي عبارة عن تحالفات بين مجموعات بشرية مختلفة.

وهذا الأمر الذي حدث في السابق قد يفسر حرص البعض الشديد وخوفهم المبالغ فيه من اختلاط الأنساب لأن اختلاط الأنساب لا يمكن أن يحدث فعلًا إلا عند عدم اتضاحها ابتداءً.

وعمومًا يظل التحجج بالخوف من ضياع واختلاط الأنساب هي حجة من كيد الشيطان الذي يئس أن يُعبد في هذه الجزيرة فأراد بها التفريق والتحريش بين المسلمين.

على أي حال:

يجب أن يعلم الجميع أن مجرد التهديد بالقتل أو التبرؤ أو قطع صلة الرحم أو ما شابه ذلك , أمر محرم شرعًا بحد ذاته , حتى ولو كان الهدف منه تحقيق مصلحة مباحة فالغاية لا تبرر الوسيلة في الإسلام.

وعلى هذا فإن من يمنع تزاوجًا بين قبلي وغير قبلي بالقوة وتحت التهديد بالقتل أو التبرؤ أو قطع صلة الرحم أو ما شابه ذلك , فهو آثم. والله أعلم.

المبحث الثالث:

حكم فسخ عقد النكاح بالقوة بحجة عدم الكفاءة في النسب.

إذا كان منع الزواج بالقوة ابتداءً لا يجوز وهو شبيه بالعضل المحرم , فحرمة فسخ العقد بعد النكاح من باب أولى.

وإذا كان إرغام الفتاة على الزواج ابتداءً ممن لا تريد لا يجوز , فكذلك إرغام الفتاة على الطلاق من زوجها الذي تريده لا يجوز أيضًا .. بل الأخير أولى بالتحريم لأنه يهدم بنيان أسرة قائمة.

أما قول بعض علماء السلف رحمهم الله بأن للأقارب فسخ العقد ولو بعد حين , فهو اجتهاد من غير معصومين وهو قول لا يستند على دليل شرعي لا من القرآن ولا من السنة بل هو عند التحقيق يتعارض مع سنة المصطفى - عليه الصلاة والسلام - القولية والفعلية والتقريرية (كزواجه عليه الصلاة والسلام من أم المؤمنين صفية بنت حيي رضي الله عنها وهي غير عربية , وكذلك زواج زيد بن حارثة وأسامة بن زيد وبلال بن رباح وغيرهم من نساء قرشيات وغير قرشيات) وهذه الشواهد وأشباهها تكفي لعدم اعتبار ذلك القول من بعض علمائنا رحمهم الله.

كما أن هذا القول قد عارضه علماء آخرون من علماء السلف كالإمام مالك رحمه الله وغيره.

وعليه فلا ينبغي الاحتجاج بقول عالم على قول عالم آخر إلا بتعضيد ذلك بالأدلة من القرآن أو السنة إذ يلزم النظر في الأدلة من القرآن والسنة من قبل ومن بعد اختلاف العلماء.

لأن مجرد وجود قول لبعض علماء السلف في مسألة ما , ليس حجة بذاته - خصوصًا إذا عارضه قول علماء آخرين - بل هو بحاجة إلى تعضيد بالأدلة الشرعية من القرآن أو السنة.

أما إذا تعارض قول لبعض علماء السلف مع الأدلة من القرآن أو السنة , فيجب على المسلم اتباع القرآن والسنة واعتبار ذلك القول من أولئك العلماء اجتهادًا خاطئًا.

ثم إني أتساءل:

1 -لو كان هناك رجل أسود البشرة تزوج امرأة بيضاء البشرة وكلاهما من نفس القبيلة مثلًا , فهل يجوز لأقارب المرأة أن يفسخوا عقد النكاح بحجة عدم التكافؤ باللون؟!

2 -لو أن رجلًا قبليًا ليس له مكانة في قبيلته أو صاحب عمل وضيع في المجتمع وتزوج ابنة شيخ قبيلة , فهل يحق لأقارب المرأة أن يفسخوا عقد النكاح بحجة عدم التكافؤ بالحسب؟!

3 -لو أن رجلًا قبليًا يعاني من مرض أو إعاقة جسدية وتزوج امرأة سليمة من ذلك , فهل يحق لأقارب المرأة أن يفسخوا عقد النكاح بحجة عدم التكافؤ في الصحة؟!

4 -بل حتى لو أن رجلًا ليس متدينًا وليس ذا خلق رفيع وتزوج من امرأة متدينة صاحبة دين وخلق رفيع .. فهل يجوز لأقارب المرأة أن يفسخوا عقد النكاح بحجة عدم التكافؤ بالدين والخلق؟!

إن عقود النكاح ميثاق غليظ ومن الخطأ الفادح استسهال فسخها هكذا.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت