فهرس الكتاب

الصفحة 28497 من 28557

** ومن النصوص الشرعية التي يحسن ذكرها في هذا المقام حديث مغيث وبريرة. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن زوج بريرة كان عبدًا يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثا، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لو راجعته، قالت: يا رسول الله أتأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه. رواه البخاري 5283

وهذا الحديث يتحدث عن اختلاف الحرية والعبودية بين الزوجين وليس عن النسب.

والشاهد هنا أن النبي ترك الخيار للزوجة نفسها - بعد أن أصبحت حرة - في مسألة البقاء

على ذمة زوجها - الرقيق - أو تطليقها منه , بل إنه عليه الصلاة والسلام شفع للزوج وحاول ألا يقع الطلاق ولكن الزوجة أبت , فقبل النبي باختيارها ولم يجبرها على ما لا تريد.

** كذلك وردت قصة تلك المرأة التي جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام تشتكي من تزويج أبيها لها بالقوة من ابن أخيه ليرفع به خسيسته.

فعن عائشة رضي الله عنها: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخ له ليرفع خسيسته، ولم يستأمرني، فهل لي في نفسي أمر؟ قال:"نعم"، قالت: ما كنت لأرد على أبي شيئا صنعه، ولكن أحببت أن تعلم النساء ألهن في أنفسهن أمر أم لا؟"رواه البيهقي والنسائي وابن ماجة , وضعفه الألباني."

وهذا الحديث - على افتراض صحته - يتحدث عن امرأة زوّجها أبوها من ابن عمها رغمًا عنها ليجعله بها عزيزًا أو ليجعل الأب نفسه بتزويجها عزيزًا.

والشاهد في هذا الحديث ليس اختلاف النسب لأن الزوجين أبناء عمومة أي من نسب واحد , لكنّ الشاهد فيه رد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الزواج لرأي الزوجة وإعادة الأمر إليها.

** وفي البخاري في باب: إذا زوّج ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود.

عن خنساء بنت خذام الأنصارية: أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك , فأتت النبي عليه الصلاة والسلام فردّ نكاحه.

** وعن ابن عباس أن جارية بكرًا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة , فخيّرها النبي صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود وصححه الألباني.

** وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا قال:"يا رسول الله في حجري يتيمة قد خطبها رجل موسر ورجل معدم، فنحن نحب الموسر وهي تحب المعدم , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يُرَ للمتحابين غير النكاح"رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي والطبراني وغيرهم، انظر السلسلة الصحيحة 624.

** هذا في شأن الإكراه والإجبار على الزواج , أما الإكراه على الطلاق فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله إن سيدي زوجني أمته وهو يريد أن يفرق بيني وبينها. قال: فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فقال:"يا أيها الناس! ما بال أحدكم يزوج عبده أمته ثم يريد أن يفرق بينهما؟ إنما الطلاق لمن أخذ بالساق"رواه ابن ماجه , وحسنه الألباني.

ونستخلص من هذه الأحاديث أن إجبار الزوجين أو أحدهما على ما لا يريد - سواءً كان ذلك الإجبار على الزواج أو الطلاق - أمر مرفوض شرعًا ولا يجوز.

بل لو تأملنا هذه الأحاديث , لوجدنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرفض الإكراه وفرض الأمور على الزوجين من قبل الآخرين حتى ولو كان هؤلاء"الآخرون"الأولياء أنفسهم أو حتى النبي عليه الصلاة والسلام نفسه.

فالإسلام لا يجيز إكراه أحد على الزواج أو الطلاق , ما دام هذا الأحد عاقلًا بالغًا راشدًا.

وزواج أو طلاق المكره لا يجوز ولا يقع في أصح قولي العلماء , كما صح ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:"طلاق السكران والمستكره ليس بجائز". رواه البخاري.

وهو رأي الإمام مالك رحمه الله وغيره من العلماء. قال مالك كما في المدونة:"لا يجوز على المستكره شيء من الأشياء لا عتق ولا طلاق ولا نكاح ولا بيع ولا شراء".

الخاتمة:

أود أن أنبه في الختام إلى أن طرح هذا الموضوع ليس من أجل إحداث البلبلة والفرقة في المجتمع ولكنه - والله - دفاعًا عن الشريعة الإسلامية السمحة التي أُلصق فيها ما ليس منها.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت