فهرس الكتاب

الصفحة 390 من 28557

هل جاء عن أحد من الصحابة أو أئمة دينك أنهم وضعوا هذا الأمر في اعتبارهم لما أطاعوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدم القباب المشرفة؟؟ هل جاء ما يدل على أنهم فرقوا في ذلك بين قديم وحديث، أو حجري وطيني، أو ملون وغير ملون أو منقوش وغير منقوش أو جميل وقبيح؟؟ كلا ما جاءنا عنهم هذا التفريق! ولو قيل بالتفريق بين ما هو"أثر قديم"وما هو حديث جديد في كل مصنوع يصنعه البشر، فنبقي على الأول لهذه العلة ونهدم الثاني، لما استقام لنا تغيير كثير من المنكرات في الأرص التي يجب علينا إزالتها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا!!

بل جاءنا أن النبي عليه السلام قال"ما أمرت بتشييد المساجد"، قال ابن عباس."لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى" (أخرجه أبو داود وابن حبان بسند صحيح) .. وجاء في الأثر عن عمر بن الخطاب أنه نهى الناس عن تزيين المساجد وقال (لا تحمروا ولا تصفروا) .. فعلى أي شيء يدلك هذا النص الشرعي ونحوه في بابه يا أخي الحبيب؟ هذا زهد منهم وغلو؟؟ كلا معاذ الله! هذا إنما يدل - وبجلاء - على أن الشرع يهدر قيمة هذا الغلو في بنيان المساجد ويذمه ويجعله من التشبه باليهود والنصارى! وهذا - وتأمل - في شأن المساجد التي لم تُبنَ لتعظيم ميت مقبور، فكيف يا أخي بما بناه أصحابه داخلين به في اللعنة التي في قوله عليه السلام (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ؟؟ أي قيمة في شكل أو في لون أو في صنعة بناء أو فيما يفيده بقاء هذا الأثر أو ذاك من إخبار عن تاريخ القوم ومهارتهم في تلك الصناعة، ترقى في ميزان الشرع والعقل لمقابلة هذه الأحكام والمقاصد الشرعية الكبرى؟؟؟

رجل كان ماهرا في صناعة شيء محرم لا اعتبار به في الشرع، بأي عقل يقول الموحدون المسلمون: احفظوا هذا الذي صنعه ليرى الناس كيف كان السابقون وكيف كانت مهارتهم في الصناعة؟؟ أولو كان محرما وذريعة إلى الشرك، الذي هو أهلك المهالك كلها؟ يا أخي فليتعلم الناس الخير من الخير، لا مما حرمه الله وأمر بهدمه وإزالته!!

هذه هي المشكلة، عين المشكلة التي يعاني منها"المثقفون"في مجتمعاتنا في زماننا هذا! إنه الغلو في تعظيم الإبداع البشري أيا كانت صورته وصفته وأيا كان حكم الشرع والعقل فيه!! ينزل الرجل منهم إلى بلد كالهند - مثلا - حيث لا تزال تعبد الأوثان، فإذا به بدلا من أن ينكر على القوم ويدعو إلى الله أو على الأقل ينفر قلبه من صنيع هؤلاء المساكين ويبغض ذلك، (وهو أدنى درجات الإنكار الواجب، الإنكار بالقلب) ، تراه يطوف معهم في طوافهم، يتأمل في دقة الصناعة في ذلك الوثن ويزور المعابد منبهرا مشدوها بفخامة البناء وجمال الزخارف والألوان والتحف في كل مكان، لا يريد أن يفوته ركن من أركان ذلك المكان العظيم في نفسه دون أن يصوره ويحفظ عنده أثره!! يريد أن يتأمل في كل صغيرة وكبيرة يفعلها الكهنة هناك ليتعلم"ثقافة القوم"ليرجع إلى أقرانه ويقول رأيت كذا ورأيت كذا!! كيف يفوته أن يتصور إلى جوار تمثال بوذا العظيم حتى يقول للناس أنظروا، لقد كنت في هذا المكان المهيب وسط هؤلاء، أتأمل في عظمة أجداد الهنود وصناعتهم!!

تأمل يوم قام بعض المجاهدين بنسف تمثال بوذا، - وبغض النظر عن حكم الشرع في هذا العمل تحديدا - كيف قامت قائمة هؤلاء ولم تقعد يذمون ويلعنون في التطرف والتشدد وكذا، وما فكر أحدهم ولو للحظة في الخير الأخروي الذي جلبه زوال ذلك الوثن على تلك البقعة من الأرض وأهلها! الذي حملهم على الثورة والحنق الشديد والضيق بإخوانهم الذين فعلوا تلك الفعلة ليس اعتبار المصالح والمفاسد الشرعية والحرص على درء الفتنة وغير ذلك من ضوابط تغيير المنكر التي لم يراعوها، ولكن طارت عقولهم غضبا لأنهم يعظمون هذا الصنف من مخلفات المشركين ويعتبرونه إرثا ثقافيا يستحق التعظيم والمحافظة عليه وصيانته!! هذا أمر يعظمونه جدا ولا يتصورون أن ينتسب إلى دينهم من يدعو إلى إزالته وهدمه وصد الناس عما يصنعون به!!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت