فهرس الكتاب

الصفحة 4219 من 28557

فهنا يقرر علي وفا الحلول والاتحاد لا على سبيل أن الذاتين تصير ذات واحدة بل بحسب الظهور فإذا الظهر الذات الإلهة بمرتبة فلنقل مثلا ظهرت بـ"أبي سعيد الخراز"يصح هنا أن نقول حلول أو اتحاد بحسب هذا الظهور إن كان أسمائي أو صفاتي لا أن أبا سعيد الخراز والذات صارا شيء واحدا لأنه ذات واحدة ولكن هذا الظهور الذي هو عبد الله أو أبو سعيد الخراز إنما هو أحد مراتب الظهور فلذلك يسمى حلولا واتحادا.

وحتى يتضح هذا المعنى نذكر قول إمامهم الأكبر ابن عربي الحاتمي حيث قال: (( إذا كان الاتحاد صير الذاتين ذاتًا واحدة فهو محال لأنه إن كان عين كل واحد منهما موجودًا في حال الاتحاد فهما ذاتان إن عدمت العين الواحدة وبقيت الأخرى فليس للأول حد فإن كان الاتحاد بمنزلة ظهور الواحد في مراتب العدد فيظهر العدد فقد صح الاتحاد من هذا الوجه ويكون الدليل مخالفا للحس فيكون له وجها كالكناية عن حركة يد الكاتب حسا وبالدليل أن الله خالقهما وأنها أثر القدرة القديمة لا المحدثة الوقوف على هذا القدر من المعرفة بطريق الكشف والشهود لا من طريق الفكر فيسمى اتحادا.

وقد يكون الاتحاد عندنا عبارة عن حصول العبد في مقام الانفعال عنه بهمته وتوجه إرادته لا بمباشرة ولا معالجة فبظهوره بصفة هي للحق تعالى حقيقة تسمى اتحادا لظهور حق في صورة عبد ولظهور عبد في صورة الحق.

ويطلق الاتحاد في طريقتنا لتداخل الحق في الأوصاف والخلق فوصفنا بأوصاف الكمال من الحياة والعلم والقدرة والإرادة وجميع الأسماء كلها وهي له ووصف نفسه بأوصاف ما هو لنا من الصورة العين واليد والرجل والذراع والضحك والنسيان والتعجب التبشبش وأمثال ذلك مما هو لنا فلما ظهر تداخل هذه الأوصاف بيننا وبينه سمينا ذلك اتحادا لظهورنا به وظهوره بنا فيصح قول القائل عن هذا:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا

[كتاب المسائل، مسألة رقم 43، ص 317 / رسائل ابن عربي]

ونلاحظ هنا أن كلام ابن عربي لم يخرج عن كلام علي وفا من حيث أن الاتحاد عندهم لا يصير الذات ذاتين إنما هو أحد مراتب الوجود أو إن شئت قلت أحد مظاهر الحق، فالحلول أو الاتحاد لا ينحصر عندهم بمظهر معين مثل أن تقول أبو سعيد الخراز اتحد مع الله فصار الله فهذا خطأ عندهم إنما الاتحاد أو الحلول بأن يكون أبو سعيد الخراز أحد مظاهر الله وإن شئت قلت أحد مراتب الوجود، وكل الكلام ينطبق على كل موجود، فالحصر هو الذي لا يقول به ابن عربي ومن نحا نحوه.

فعلى هذا الاعتبار لا اعتراض على علماء الظاهر إن سموا وحدة الوجود بالاتحاد لأن أهل الوحدة يطلقون كلمة اتحاد على أحد مراتب الوجود، وقد صرح بعض بالاتحاد وهو يعني وحدة الوجود.

وكما هي عادة الصوفية التشنيع على علماء الظاهر وكأنهم مجموعة جهلة يتبعون الهوى يفترون على الناس مما ليس فيهم فلما قال الحافظ ابن حجر عبارته هذه: (( وشعره ينعق بالإتحاد المفضي إلى الإلحاد ) )لم تعجب الصوفية على الرغم أنهم قبلوا منه عندما وصف حاله، وهذا حق مشروع لهم ولكن بطريقة علمية وتحرير للمسألة لا طريقة لبس الحق بالباطل فلما ترجمة يوسف الزرقاني لعلي وفا في كتاب النفحة الرحمانية في تراجم السادات الوفائية وذكر عبارة الحافظ الآنف الذكر قال: (( وقال المناوي: دأب الحافظ ابن حجر أنه إذا ذكر أحدا من الطائفة لا يبقي ولا يذر والله يغفر لنا وله انتهى.

وأقول: هذا من عدم تحقيقه وإتقانه معنى الاتحاد عند الجماعة وقد حققه بقية الحفاظ السيوطي شكر الله مسعاه فقال بعد كلام طويل:

والحاصل أن لفظ الاتحاد مشترك فيطلق على المعنى المذموم الذي أخو الحلول وهو كفر ويطلق على مقام الفناء اصطلاحا اصطلح عليه الصوفية ولا مشاحة في الاصطلاح إذ لا يمنع أحد من استعمال لفظ في معنى صحيح لا محذور فيه شرعا ولو كان ممنوعا لم يجز لأحد أن يتفوه بلفظ لاتحاد وأنت تقول بيني وبين صاحبي زيد اتحاد وكم استعمل المحدثون والفقهاء والنحاة وغيرهم لفظ الاتحاد في معان حديثية وفقهية ونحوية كقول المحدثين اتحاد مخرج الحديث وقول الفقهاء اتحد نوع الماشية وقول النحاة اتحد العالم لفظا أو معنى. وحيث وقع لفظ الاتحاد من محققي الصوفية فإنما يريدون به معنى الفناء الذي هو محو النفس وإثبات الأمر كله لله سبحانه لا ذلك المعنى المذموم الذي يقشعر له الجلد

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت