فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
هل هناك حقًا من سيقبل بهذا من أهل السُّنة في العراق؟! هل سيظهر مَنْ يبيع انتصارات المجاهدين بثمن بخس مقاعد معدودة في مجالس النخاسة ومقاهي الساسة؟! هل سيبرز من سيبني له كرسيًا هشًا للسلطة من عظام الشهداء مطليًا بدماء الضعفاء والأبرياء الذين قتلهم الأمريكيون بعشرات الآلاف؟!
هل نحن أمام نسخة جديدة من «أبطال» الاستقلال، «خلفاء» الاستعمار، الذين سرقوا انتصارات شعوبهم ووهبوها للمستعمرين المستكبرين، مدَّعين أنهم أنقذوا أمتهم من الاحتلال وأوصلوهم إلى أحسن حال؟!
إن الصادقين يربؤون بأنفسهم عن ذلك ويبرؤون إلى الله من ذلك.
• مستقبل العراق بين مشروعين:
شهدت الآونة الأخيرة معالم تمايز بين المشروعين الفاعلين لمواجهة تداعيات العدوان على العراق: المشروع الجهادي والمشروع السياسي. ومن حيث المبدأ ما كان لهذا التمايز أن يوجد؛ لأن الأصل ألا يكون هناك تناقض بين المشروعين في ظل المشروعية الإسلامية العليا؛ لأن الطريقين مكملان لبعضهما، حيث لا جدوى من جهاد بلا خطة ولا ثمرة، ولا فائدة من سياسة مجردة من الحق الذي تحميه القوة. إلا أن الواقع على الأرض في العراق يكرِّس مع الوقت هذا التمايز والتفريق، حتى صار يُشار إلى أناس بأنهم أصحاب مشروع سياسي، وإلى آخرين بأنهم أصحاب مشروع جهادي! بل الأدهى من ذلك أنه وُجد اختلاف في المعايير، بين ما هو شرعي وبين ما هو سياسي، مع أن المفترض أن تكون المعايير كلها عند المسلم مستمدة من ضوابط الشريعة وثوابتها، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو غير ذلك.
إننا نفهم أن الشيء بالمعايير السياسية ـ غير الإسلامية ـ قد يكون قمةً في الذكاء والحيلة، وإبداعًا في ابتكار الوسيلة، لكن ذلك الشيء نفسه قد يكون في المعايير الشرعية غاية في الانحطاط، وذروة في الظلم، ونهاية في الغباء وقلة الدهاء وقصر النظر ... !
خذ مثلًا معاهدة (كامب دي?يد) بين مصر والكيان الصهيوني في سبعينيات القرن الميلادي الماضي، أو معاهدة (أوسلو) بين منظمة التحرير الفلسطينية والمحتل الغاصب؛ فإنهما في نظر بعض الناس ـ بالمعايير السياسية ـ عبقرية دبلوماسية، وإلهام سبق عصره، واختراق قلَّ نظيره! بينما هما في المعايير الشرعية افتراء على الحقيقة وازدراء لثوابت الأمة، وافتئات على أهل الحل والعقد فيها، ومغامرة ومقامرة غير محسوبة العواقب.
ولو أخذنا مثالًا مقابلًا كمواقف (طالبان) المتعددة في تاريخها السياسي القصير؛ فإنها بالمعايير السياسية اللادينية البحتة تهوُّر في غير محله، وقصر نظر سياسي، وتخلُّف دبلوماسي، وجهل بالمآلات والحسابات والمعادلات الدولية والإقليمية، بينما هي ـ في أغلبها ـ بالنظر الشرعي إعزاز للمبدأ، وإحياء لروح العقيدة، وإعلاء لقيم الشريعة، وإضافة معالم واضحة في طريق الوصول إلى تمكينها.
• «التقسيم العقدي» .. لصالح من؟
إذا كانت مشروعات تقسيم العالم الإسلامي في السابق ركزت على الجانب العرقي والجغرافي وغيرهما؛ فإنها في المرحلة المقبلة تريد التأكيد على الجانب العقدي، الذي يتكتل فيه المبتدعة مع المنافقين المظاهرين للكافرين ضد العرب والمسلمين المنتمين لعقيدة السُّنة. والعقيدة الإسلامية الصحيحة على وجه التحديد إذا دخل أهلها فخَّ القسمة؛ فإن ذلك من أجل عزلها وحصارها؛ لتمكين أعدائها منها.
هذه ظاهرة تحتاج إلى رصد، فأهل السُّنة في العالم ـ وليس في العراق فقط ـ يجري استهدافهم بانتظام واضطراد. وكلما كان أخذهم من الحق والسُّنة أكثر كان التربُّص بهم أكبر. ومن تأمَّل في خطط التقسيم العقدي يمكن أن يكتشف أن دوائر الحصار تضيَّق عليهم في كل مكان، وعلى جميع المستويات، بدءًا بالمستويات العالمية، وانتهاءً بالمستويات المحلية، مرورًا بالمستويات الإقليمية، وانظر ما يحدث في فلسطين. والعجيب أن اليد الباطشة المستعملة في كل حالات ذلك الاستهداف؛ هي يد العملاء المنافقين، الذين يتجرؤون في غالب الأحيان على ما يعجز عنه الأعداء الظاهرون. وأي قسمة في بلاد المسلمين تجعل من أولئك المعادين أصحاب اليد الطولى والكلمة العليا!
(يُتْبَعُ)