فهرس الكتاب

الصفحة 8202 من 28557

الآخرة.

فهذان طريقان مجملان، قد يحتاج إلى الإجمال طالب العلم في بعض المواضع، فالداعية إلى الله -جل وعلا- قد يجمل، وقد يطنب، وقد يفصل، والقرآن فيه آيات فيها الإجمال، وثم آيات فيها التفصيل، والحجاج مع المشركين، وبيان ما في التوحيد من مقالة المشركين، والرد على ذلك، وبيان ما في الشرك من مقالة المشركين، والرد على ذلك، ونحو هذه المسائل.

بهذا، فإن الداعية إلى الله -جل وعلا- إذا دعا مجملا، فإنه يتبع طريقة القرآن في الإجمال، لكن لا يتميز أهل التوحيد إلا بأنهم لا يدعون مجملا دائما، بل إذا اقتضاه المقام، ولكنهم يدعون مجملا، ومفصلا، فيذكرون الإجمال في موضعه، ويذكرون التفاصيل في موضعها، ويذكرون معنى التوحيد، وأنواع التوحيد، وصور توحيد الربوبية، وصور توحيد الألوهية، وضد ذلك، ويبينون معتقد أهل السنة، والجماعة في الأسماء والصفات، والرد على المخالفين إلى غير ذلك من المسائل.

فإذا الدعاة إلى الله -جل وعلا- على منهج السلف الصالح أعظم ما يتقربون به إلى الله -جل وعلا- به أن يبينوا ما أنزل الله -جل وعلا- على نبيه -عليه الصلاة والسلام- ولا يتركوا من ذلك شيئا، وأعظم ذلك الحقيق بأن يؤكد عليه لأجل ألا يرفع من الناس، وألا ينساه الناس، فيقع في مخالفته، ألا وهو البيان التفصيلي: للتوحيد، والبيان التفصيلي للشرك، وأنواعه، وما يتعلق بذلك، مع العناية بالاستدلال من الكتاب والسنة وإجماع الأمة في المسائل التي يعرض لها طالب العلم، ولا شك أن هذا إذا سلكه الداعي إلى الله -جل وعلا- فإنه سيجد فيه انشراحا، ونورا، وسيجد سرورا، وحبورا؛ لأنه سينفتح له من أنواع معرفة الله -جل وعلا- ومعرفة أسمائه وصفاته، والعلم بأنواع توحيده، والخوف من ضد ذلك ما لا ينفتح لغيره؛ لأن المجاهد يهديه الله -جل وعلا- سبله {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} وللعلم زكاة لا بد من بذلها، وللعلم جهاد، فمن أنواع الجهاد أن يجاهد بالعلم.

فإذا لم يمكن الجهاد بالسنان، فإن المجاهد بالعلم مجاهد، المجاهد ببيان القرآن، والسنة، وحق الله -جل وعلا- لا شك أنه داخل في نوع من أفضل أنواع الجهاد، وذلك لقول الله -جل وعلا-: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} يعني: جاهدهم بالقرآن جهادا كبيرا، وكذلك المنافقون، فإنهم يجاهدون بالعلم النافع كما قال -جل وعلا-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} ومعلوم أن المنافق في دار الإسلام مؤمن، كما أمّن النبي -عليه الصلاة والسلام- دماء وأموال المنافقين، فلم يستبحهم، ولما قيل له في قتل بعضهم قال: (( لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ) )ومع ذلك يجاهدون بالعلم، والدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

فلا شك أن نشر العلم، والحق، والهدى، والدعوة إلى ذلك بالبيان أنه نوع من الجهاد، وهو من علامات الطائفة المنصورة التي نصرها الله -جل وعلا- في أول هذه الأمة، وفي آخرها.

فلا تزال منصورة كما ثبت في الصحيح أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك ) ).

فظهور الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، ظهورهم في كل زمان، وفي كل وقت، وفي كل بلد، ظهورهم بالحجة والبيان، ظهورهم بالقرآن؛ لأن القرآن يعلو، ولا يعلى عليه، فمن كانت معه حجة القرآن، فهو الظاهر، وهو الغالب؛ لأن حجة القرآن هي الحجة الماضية؛ ولأن برهان القرآن والسنة، هو البرهان الماضي الذي هو الحق، ويوافق ما خلق الله -جل وعلا- في سماواته وفي أرضه من الحق، فهو الحق الذي يوافق كل حق، وبهذا، فإن الطائفة هذة لا تزال تجاهد ظاهرة على الحق.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت