فهرس الكتاب

الصفحة 8320 من 28557

فمكة قبل الهجرة كانت دار كفر و لا شك أنها تدخل في الآيات السابقة بل هي تدخل دخولا أوليًا كما في قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} النساء75.

و مع ذلك كان فيها النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه و كان منهم من هو من يظهر إيمانه ومنهم من يكتم إيمانه.

و الحبشة كذلك كانت دار كفر و مع ذلك كان فيها من هو مؤمن كالصحابة رضوان الله عليهم الذي هاجروا إليها بل والنجاشي ومن آمن معه من قومه و النجاشي لم يكن يظهر إيمانه

و مؤمن آل فرعون و زوجة فرعون كانوا في دار كفر و لم يكونوا يظهرون إيمانهم فكان ظاهرا حكمهم حكم أهل الدار.اهـ

-ويقول ابن القيم في إعلام الموقعين

وسئل صلي الله عليه وسلم - عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم فقال هم منهم حديث صحيح ومراده صلي الله عليه وسلم - بكونهم منهم التبعية في أحكام الدنيا وعدم الضمان لا التبعية في عقاب الآخرة فإن الله تعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه. أهـ

ويقول ابن قدامة في المغني

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: [كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه] متفق عليه فجعل كفره بفعل أبويه فاذا مات أحدهما انقطعت التبعية فوجب إبقاؤه على الفطرة التي ولد عليها ولأن المسألة مفروضة فيمن مات أبوه في دار الإسلام

وقضية الدار الحكم بإسلام أهلها ولذلك حكمنا بإسلام لقيطها وإنما ثبت الكفر للطفل الذي له أبوان فإذا عدما أو أحدهما وجب إبقاؤه على حكم الدار لانقطاع تبعيته لمن يكفر بها ...

وهذا فيما إذا كان في دار الإسلام لأنه متى انقطعت تبعيته لأبويه أو أحدهما ثبت له حكم الدار فأما دار الحرب فلا نحكم بإسلام ولد الكافرين فيها بموتهما ولا موت أحدهما لأن الدار لا يحكم بإسلام أهلها وكذلك لم نحكم بإسلام لقيطها أهـ

وقال الإمام موفّق الدين أبو محمد بن قدامة _ رَحِمَهُ الله_:

( .. الأصل أن من كان في دار فهو من أهلها يثبت له حكمهم ما لم يقم على خلافه دليل

-وقال الشيخ حسين، والشيخ عبد الله، ابنا الشيخ محمد، رحمهم الله تعالى،

في أثناء جواب لهما:""

الجواب: إن أهل هذه البلدة المذكورين، إذا كانوا قد قامت عليهم الحجة، التي يكفر من خالفها، حكمهم حكم الكفار، والمسلم الذي بين أظهرهم، ولا يمكنه إظهار دينه، تجب عليه الهجرة، إذا لم يكن ممن عذر الله، فإن لم يهاجر فحكمه حكمهم، في القتل وأخذ المال؛"."

وقال الشوكاني في فتح القدير (1/ 498) :(و هذه مسألة المؤمن الذي يقتله المسلمون في بلاد الكفار الذين كان منهم ثم أسلم ولم يهاجر وهم يظنون أنه لم يسلم وأنه باق على دين قومه، فلا دية على قاتله، بل عليه تحرير رقبة مؤمنة، واختلفوا في وجه سقوط الدية، فقيل وجهه أن أولياء القتيل كفار لا حق لهم في الدية، وقيل وجهه أن هذا الذي آمن حرمته قليلة ..

لقول الله تبارك وتعالى)والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير(أهـ

ويقول ابن القيم في زاد المعاد في الفقه المستفاد من غزوة خيبر:

وهكذا كان عقد الذمة لقريظة والنضير عقدا مشروطا بأن لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه ومتى فعلوا فلا ذمة لهم وكانوا أهل ذمة بلا جزية إذ لم يكن نزل فرضها إذ ذاك واستباح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبي نسائهم وذراريهم وجعل نقض العهد ساريا في حق النساء والذرية وجعل حكم الساكت والمقر حكم الناقض والمحارب وهذا موجب هديه صلى الله عليه وسلم في أهل الذمة بعد الجزية أيضا أن يسري نقض العهد في ذريتهم ونسائهم ولكن هذا إذا كان الناقضون طائفة لهم شوكة ومنعة أما إذا كان الناقض واحدا من طائفة لم يوافقه بقيتهم فهذا لا يسري النقض إلى زوجته وأولاده كما أن من أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم ممن كان يسبه لم يسب نساءهم وذريتهم فهدا هديه في هذا وهو الذي لا محيد عنه. أهـ

وقد نقل صاحب كتاب"حد الإسلام وحقيقة الإيمان"الأستاذ عبد المجيد الشاذلي

في مانعي الزكاة وحكمهم:

"ولما كان الغالب - عليهم - هو الآباء من قبول الفرائض والامتناع عن التسليم أخري عليهم أبو بكر رضي الله عنه حكم الدار واستعمل فيهم ما يستعمل في المرتدين من غير تحقيق لمواقفهم فردا فردا لان ذلك فيه توقيف الأحكام الشريعة وجريانها علي مستحيلات وفي ذلك تعطيل لها"أهـ

وهذا المعني نفسه هو الذي أورده القرطبى والإمام ابن العربي في تفسير قوله تعالي"واتقوا فتنة لا تصببن الذين ظلموا منكم خاصة"

يقول القرطبى في تفسير قوله تعالي -واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) - قال ابن عباس- أمر الله المؤمنين الايقروا المنكر فيما بينهم فيعمهم الله بعزاب ثم قال علماؤنا فالفتنه إذا عمت هلك الكل وذلك عند ظهور المعاصي! وانتشار المنكر وعدم التغير وإذا لم تغير وجب علي المؤمنون (المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منه) وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم كما في قصه أصحاب السبت حيث هجروا العاصين (وقالو لا نساكنكم وبهذا قال السلف) ثم يقول فان قيل فقد قال الله تعالي (لا تزر وازرة وزر أخري) و (كل نفس بما كسبت رهينة) (ولها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) - وهذا يوجب ألا يؤاخذ احد بذنب احد آخر وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب -- فالجواب - إن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض علي من رآه أن يغيره فإذا سكتوا عليه فكلهم عاص هذا بفعله وهذا برضاه وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل فانتظم في العقوبة قاله ابن العربي وهو مقصود الآية وذكر القرطبى حديث السفينة وغيره من الأحاديث وقال وهو مضمون الأحاديث أيضا انتهي

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت