الشرعية؟؟ فان قلتم أنه من فقه الموازنة بين المفاسد، فقد لا يرى هو أن الأمر يحسن فيه أن يسكت أو أن يمتنع عن الجواب، بل على العكس! فهل لكم أن تثربوا عليه في ذلك وتقولوا أنه يضعف الهيئة ويفعل بها كذا وكذا، ثم تطيلون الكلام على نقد الذات وغيابه عندنا على نحو ما فعلتم؟
لا يزال الناس يستفتون العلماء والهيئة دون تمييز في اختصاص أو نحوه، وأما العالم فيقدر درجة السائل وطبيعة السؤال باجتهاده ويجيب باجتهاده، ولا يلزمه أن يتحرى ألا يخرج عما قال به غيره وان كان هيئة أو لجنة!
يا دكتور تصور الآن أنك عضو في الهيئة وكنت قد وقعت مع الهيئة في أول الأمر على أن المسعى الجديد لا يجوز بناؤه. ثم تبين لك من الأمر ما حملك على تغيير نظرك ورأيك، فبعد أن كنت ترى أن المسعى الجديد اذا أنشئ فلا يجوز السعي فيه، صرت ترى أنه لا بأس بالسعي فيه! فان جاءك عامي يسألك - بعد التمام من بناء المسعى - عما اذا كان السعي فيه يجزئ أم لا يجزئ، فبأي شيء ستجيبه؟ ان أجبته بأنه يجزئ بناءا على اجتهادك، فقد خالفت كلام الهيئة الذي كنت قد وقعت عليه سابقا! وان أجبته بأن الهيئة قالت كذا وكذا، فقد أجبت بخلاف ما وقع في نفسك أنه الحق بموجب ما انتهى اليه اجتهادك! وكذا لو سألك العامي عن حكم بناء المسعى - وليس عن اجزاء السعي فيه - فهل تقول له هذه مسألة تخص ولي الأمر ولا تعنيك؟ أم تقول له اذهب واسأل الهيئة؟ أم تجيبه بأن الهيئة قالت كذا وكذا، وان كان قولها مخالفا لما صرت تراه الحق، فيكون هذا اقرارا ضمنيا منك بموافقة الهيئة على ذلك مع أنك لا توافقها؟!
قلتم أكرمكم الله:"لن أترك هذا المقام دون مثال وسيتذكر الجميع ما يشابهه من أمثلة , فالمعروف أن الرجم لا يصح قبل الزوال في اليوم العاشر وما بعده من أيام التشريق , ورغم ما حاولته الصحافة من ضغط على العلماء للفتوى بغير ذلك على مدى سنين فقد ظلت فتواهم على وفق رأي الجمهور دون تغير , وقبل ثلاث سنوات جاءت حادثة الجمرات الشهيرة , وفي ظرف أربع وعشرين ساعة بعدها ظهرت فتوى من بعض أعضاء الهيئة بجواز الرجم قبل الزوال بحجة الضرورة."
وكان هذا مثالا صارخا للعجلة وعدم التحرير , أما العجلة فقد كان لهؤلاء العلماء مندوحة عن السرعة في إصدار الفتوى بأن الحاجة إلى تلك الفتوى لن يأتي وقتها إلا بعد اثني عشر شهرا , ألم يكن بإمكانه أن يصبر شهرا واحدا على الأقل؟
أما عدم التحرير فيتضح من كون من أفتى بهذه الفتوى من العلماء لم ينتظر حتى ينكشف له السبب الحقيقي لما حصل من التزاحم , هل كان حقا سببه عدم الرجم قبل الزوال حتى نفتي بالرجم في ذلك الوقت للضرورة.وبعد شهر أعلنت الجهات المختصة أسباب هذا التزاحم فكان ناتجا عن أسباب عدة مجتمعة ولا يعود إلى منع الرجم قبل الزوال وحده الأمر الذي يقطع دعوى الضرورة.
اخترت هذا المثال لأنني واجهت بسببه تساؤلات كثيرة من الناس , كقولهم: كيف كان الرجم قبل الزوال حراما أمس وأصح اليوم حلالا , ألا يعرف العلماء أنه حلال حتى يموت عدد من المسلمين؟ ألا يمكن للعلماء أن يغيروا فتاواهم حتى تراق الدماء؟""
وأنا أسأل ولماذا تحمل الهيئة بأسرها أخطاء بعض العلماء ان وقع منهم الزلل (هذا على فرض كونه زللا وليس اجتهادا يتغير في مسألة يسوغ فيها الخلاف) ؟؟ وهل قال أحد أن الهيئة كل من فيها معصومون لا يخطئون؟ أم أن المراد هو أن نقر بأن فيها من ليسوا أهلا لأن يكونوا فيها بالأساس؟؟ ان العالم الذي يخرج الفتيا بناءا على ضغوط العامة وتأثير الصحافة، وليس بناءا على الدليل الشرعي وفقهه، هذا ليس عالما أصلا، فضلا عن أن يكون من الكبار فضلا عن أن يكون عضوا في الهيئة! فان علمتم أعيانا من هؤلاء الذين تتهمونهم بأنهم دون مستوى العضوية في الهيئة فلتناصحوهم في الله اذا، أو لتخاطبوا رئيس الهيئة مباشرة بذلك! والا فان كان لكلام العالم استناد فيما أفتى به الى الدليل، وساغ الخلاف في المسألة وكان ذلك النظر منه مرجوحا عند مخالفيه، فانه لا يجوز اتهامه بأنه ما أفتى بما أفتى به الا اتباعا للتيار ومداهنة للعامة - وهو لازم ايرادكم لهذا المثال كما لا يخفى!
(يُتْبَعُ)