كِتَابُ التَّكْمِلَةِ لِلْأَحْكَامِ وَالتَّصْفِيَةِ مِنْ بَوَاطِنِ الْآثَامِ اعْلَمْ أَنَّ الْفِقْهَ الِاصْطِلَاحِيَّ هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُونَ فِي الْفُرُوعِ مِنْهُ عَلَى أَحْكَامِ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ دُونَ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَرَّمَاتِهَا شَطْرًا ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى { وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ } وَالْبَاطِنَةُ هِيَ مَآثِمُ الْقُلُوبِ فِي أَصَحِّ التَّفْسِيرَاتِ ، فَوَجَبَ أَنْ نَجْعَلَ لَهَا فِي أَبْوَابِ عِلْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ بَابًا يَتَضَمَّنُ تَفْصِيلَهَا بِحَقَائِقِهَا وَتَفْرِيعَاتِهَا ، وَتَمْيِيزَ حَلَالِهَا مِنْ حَرَامِهَا لِيُمْكِنَ التَّحَرُّزُ مِنْ الْإِثْمِ الْبَاطِنِ كَالظَّاهِرِ ، وَهَذَا الْبَابُ أَهَمُّ مِنْ غَيْرِهِ ، إذْ لَا يُعَرَّى مُكَلَّفٌ بِالشَّرْعِيَّاتِ عَنْ التَّكْلِيفِ بِهِ .
فَصْلٌ وَجُمْلَةُ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهِ مِنْهَا سَبْعَةَ عَشَرَ نَوْعًا وَهِيَ: الْكِبْرُ وَمَا يَتَفَرَّعُ مِنْهُ ، وَالْعُجْبُ كَذَلِكَ ، وَالرِّيَاءُ كَذَلِكَ ، وَالْمُبَاهَاةُ كَذَلِكَ ، وَالْمُكَاثَرَةُ كَذَلِكَ ، وَالْحَسَدُ كَذَلِكَ ، وَالْغِلُّ كَذَلِكَ وَظَنُّ السُّوءِ كَذَلِكَ ، وَالْمُعَادَاةُ كَذَلِكَ ، وَالْمُوَالَاةُ كَذَلِكَ ، وَالْحَمِيَّةُ كَذَلِكَ ، وَالْمُدَاهَنَةُ كَذَلِكَ ، وَحُبُّ الدُّنْيَا كَذَلِكَ ، وَالْجُبْنُ وَالْبُخْلُ كَذَلِكَ ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهِمَا مِنْ السَّرَفِ وَالتَّقْتِيرِ ، وَالزَّهْوِ وَالْفَرَحِ كَذَلِكَ ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ بَيَانُ الْخَطَرِ الْمَخُوفِ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْإِخْلَاصِ ، فَلْنُفْرِدْ لِكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ فَصْلًا .