فَصْلٌ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ } يُوجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَعْرِفَةَ تَفْسِيرِ الدُّنْيَا هَاهُنَا لِيَجْتَنِبَ حُبَّهَا ، وَإِلَّا لَمْ يَأْمَنْ الْخَطَأَ فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَحَبَّةَ جَمْعِ الْمَالِ الْحَلَالِ لِتَحْصِيلِ الْكِفَايَةِ لَيْسَ بِخَطَأٍ ، فَلَيْسَ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا ، وَكَذَلِكَ مَحَبَّةُ حِفْظِ الْمَالِ مِنْ دَارٍ وَعَقَارٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَنَحْوِهَا وَعِمَارَتِهَا ، وَالِاحْتِرَازِ عَلَيْهَا مِنْ الضَّيَاعِ لَيْسَ بِخَطَأٍ ، فَلَيْسَ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا ، وَكَذَلِكَ مَحَبَّةُ التَّلَذُّذِ بِالْمُبَاحَاتِ مِنْ الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَرَاكِب وَالْمَنَاكِحِ وَالْبُنْيَانِ الْمُبَاحَاتِ لَيْسَ بِخَطَأٍ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ } فَلَيْسَ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا .
( فَرْعٌ ) فَتَلَخَّصَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الدُّنْيَا الَّتِي نُهِينَا عَنْ حُبِّهَا هِيَ الشَّرَفُ وَالْمَالُ الْمَطْلُوبَانِ لِلْمُبَاهَاةِ وَالْمُكَاثَرَةِ وَالْعُلُوِّ عَلَى مَنْ عَدِمَهُمَا ، لَا لِلْكِفَايَةِ أَوْ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ تَجَمُّلٍ بَيْنَ النَّاسِ ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا } وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ فِي زَرِيبَةِ غَنَمٍ بِأَضَرَّ مِنْ حُبِّ الشَّرَفِ وَالْمَالِ ، عَلَى الْمُسْلِمِ فِي دِينِهِ } أَوْ كَمَا قَالَ .
فَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَالْخَبَرُ كَالْمُصَرِّحَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِحُبِّ الدُّنْيَا الَّذِي نُهِينَا عَنْهُ هُوَ حُبُّ الشَّرَفِ وَالْمَالِ طَلَبًا لِلْعُلُوِّ كَمَا قَدَّمْنَا ، فَأَمَّا لَتَطَلُّبِ التَّجَمُّلِ فِي النَّاسِ فَلَا بَأْسَ فِي ذَلِكَ ، وَمَعْنَى التَّجَمُّلِ حُصُولُ جَمَالٍ يُحَصِّنُ مَنْ حَصَلَ لَهُ مِنْ أَنْ يُسْتَخَفَّ بِهِ أَوْ يَحُطَّ عَنْ مَرْتَبَتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا لِظَاهِرِ حَالِهِ ، فَحِينَئِذٍ