فَصْلٌ فَالْكِبْرُ هُوَ اعْتِقَادٌ مُطْلَقٌ غَيْرُ عِلْمِ أَنَّ النَّفْسَ تَسْتَحِقُّ مِنْ التَّعْظِيمِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهَا مِمَّنْ لَا يُعْلَمُ اسْتِحْقَاقُهُ الْإِهَانَةَ ، وَدَلِيلُ كَوْنِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ ، قَوْله تَعَالَى { إنْ فِي صُدُورِهِمْ إلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ } وَالتَّكَبُّرُ هُوَ أَنْ يَنْضَمَّ إلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ تَرْكٌ ، يُنْبِي عَنْ حُصُولِهِ ، كَقَوْلِ إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْته مِنْ طِينٍ ) فَأَنْبَأَ عَنْ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْ التَّعْظِيمِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّهُ آدَم عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ تَعَالَى { فَمَا يَكُونُ لَك أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا } وَمِنْ ثَمَّ فَسَّرْنَا التَّكَبُّرَ بِذَلِكَ ، لِأَنَّ التَّكَبُّرَ فِي اللُّغَةِ دَعْوَى الْأَكْبَرِيَّةِ فِي الْقَدْرِ ، لَا الْجِسْمِ اتِّفَاقًا ، وَلَا مَعْنَى لِلْأَكْبَرِيَّةِ فِي الْقَدْرِ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ قَطْعًا ، إذْ لَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ عِنْدَ السَّبْرِ .
وَأَمَّا الْكِبْرِيَاءُ فَهُوَ اسْتِحْقَاقُ أَعْلَى مَرَاتِبِ التَّعْظِيمِ فَلَا يُوصَفُ بِهِ إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى { وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ } وقَوْله تَعَالَى { وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي } ( فَرْعٌ ) وَالتَّكَبُّرُ قَبِيحٌ عَقْلًا لِصُدُورِهِ عَنْ اعْتِقَادَ أَمْرٍ جُهِلَ وَشَرْعًا لِلْإِجْمَاعِ ، وَالْوَعِيدِ عَلَيْهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى { فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } وَنَحْوِهَا .
وَمِنْهُ الِاسْتِخْفَافُ بِمَنْ لَا يُعْلَمُ فِسْقُهُ وَالتَّرَفُّعُ عَنْ بَعْضِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْوَالِدُ وَالْإِمَامُ وَالْعَالِمُ مِنْ التَّعْظِيمِ كَمَا كَانَ تَرَفُّعُ إبْلِيسَ عَنْ بَعْضِ مَا يَسْتَحِقُّهُ آدَم تَكَبُّرًا ، ( فَرْعٌ ) وَمَا مِنْ مَرْتَبَةٍ فِي التَّعْظِيمِ إلَّا وَيَسْتَحِقُّهَا هَؤُلَاءِ ، مَعَ صَلَاحِهِمْ إلَّا مَا انْفَرَدَ اللَّهُ بِهِ سُبْحَانَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ كَالسُّجُودِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { لَوْ أَمَرْت أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ } الْخَبَرَ .
فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ