فَصْلٌ وَالْجُبْنُ هُوَ الْبُخْلُ بِالنَّفْسِ وَلَا إشْكَالَ فِي تَحْرِيمِهِ حَيْثُ يَجِبُ بَذْلُهَا فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ وَمُدَافَعَتِهِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } الْآيَةَ .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ } فَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { الْجُبْنُ وَالْجُرْأَةُ غَرِيزَتَانِ يَضَعُهُمَا اللَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ } وَالْغَرَائِزُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا تَحْرِيمٌ وَلَا تَحْلِيلٌ ، فَإِنَّا نَقُولُ: الْمَعْلُومُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ تَسْمِيَةُ الْإِقْدَامِ عَلَى الْعَدُوِّ شَجَاعَةً وَجُرْأَةً وَالْفِرَارِ مِنْهُ جُبْنًا ، وَتَعَلُّقُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ بِهِمَا فَبَطَلَ كَوْنُهُمَا غَرِيزَةً ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ سَبَبَيْ الْجُبْنِ وَالْجُرْأَةِ غَرِيزَتَانِ بَاعِثَتَانِ عَلَيْهِمَا فَسَمَّى الْمُسَبَّبَ بِتَسْمِيَةِ سَبَبِهِ تَجَوُّزًا ، كَتَسْمِيَةِ الدِّيَةِ عَقْلًا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { الْبَاعِثُ عَلَى الْجُبْنِ وَالْجُرْأَةِ غَرِيزَتَانِ } فَلَمَّا كَثُرَ اسْتَغْنَى بِالْمُسَبَّبِ .
فَقِيلَ الْجُبْنُ وَالْجُرْأَةُ غَرِيزَتَانِ .
وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَبْنِي اللَّهُ قَلْبَهُ بِنْيَةً تَقْبَلُ الشَّجَاعَة وَتَبْعَثُ عَلَيْهَا أَوْ الْجُبْنَ وَتَبْعَثُ عَلَيْهِ ، وَفِي تَحْقِيقِ تِلْكَ الْبِنْيَةِ أَبْحَاثٌ يَطُولُ شَرْحُهَا .
وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي فِيمَا قَصَدْنَاهُ وَالْبُخْلُ عِبَارَةٌ عَنْ شِدَّةِ حُبِّ الْمَالِ الْحَامِلَةِ عَلَى مَنْعِهِ حَيْثُ وَجَبَ بَذْلُهُ ، وَالْبُخْلُ فِي التَّحْقِيقِ هُوَ مَنْعُهُ وَسَبَبُ الْمَنْعِ شِدَّةُ حُبِّهِ كَمَا قُلْنَا فِي الْجُبْنِ ، وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ فَاقْتَضَى قُبْحَهُ .
وَقَالَ تَعَالَى { وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ } وَهُوَ مَنْعُهُ عَمَّا يَجِبُ صَرْفُهُ فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ أَوْ ذَمٍّ ، وَالتَّقْتِيرُ هُوَ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ دُونَ الْكِفَايَةِ مَعَ سَعَتِهِ لِلْكِفَايَةِ ، وَقَدْ ذَمَّهُ اللَّهُ