فَصْلٌ وَالْعُجْبُ مَسَرَّةٌ بِحُصُولِ أَمْرٍ يَصْحَبُهَا تَطَاوُلٌ بِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِثْلُهُ بِقَوْلٍ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ أَوْ اعْتِقَادٍ ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَخِفْت عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ } الْخَبَرَ ، حَتَّى قِيلَ إنَّهُ مِنْ مُحْبِطَاتِ الطَّاعَةِ ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى قُبْحِهِ ، وَمِنْهُ مَا رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَوْمَ غَزْوَةِ حُنَيْنٌ رَأَى جُنُودَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ"لَنْ نُؤْتَى الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ"فَقَالَ تَعَالَى { وَيَوْمَ حُنَيْنٌ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا } الْآيَةَ .
فَتَضَمَّنَ كَلَامُهُ التَّطَاوُلَ بِكَوْنِ جُنْدِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ جُنْدِ خُصُومِهِمْ الَّذِينَ خَرَجُوا لِقِتَالِهِمْ مَعَ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْمَسَرَّةِ بِذَلِكَ وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ ، ( فَرْعٌ ) وَالْقَبِيحُ فِي التَّحْقِيقِ إنَّمَا هُوَ أَمْرَانِ يَصْحَبَانِ الْمَسَرَّةَ أَحَدُهُمَا قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ يُوهِمُ التَّطَاوُلَ ، وَالْفَخْرُ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ .
وَثَانِيهِمَا أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْمَحْصُولِ أَنْ يُعَظِّمَهُ النَّاسُ أَوْ مَنْزِلَةً رَفِيعَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ ، فَيَؤُولُ إلَى الْكِبْرِ حِينَئِذٍ .
فَأَمَّا مُجَرَّدُ الْمَسَرَّةِ فَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا ، فَلَا قُبْحَ فِيهَا .
( فَرْعٌ ) وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْخَصْلَةُ الَّتِي حَصَلَ بِهَا الْإِعْجَابُ اضْطِرَارِيَّةً كَجَمَالٍ أَوْ فَصَاحَةٍ أَوْ كَثْرَةِ عَشِيرَةٍ أَوْ مَالٍ أَوْ بَنِينَ أَمْ اخْتِيَارِيَّةً كَإِقْدَامٍ ، أَوْ كَثْرَةِ عِلْمٍ أَوْ طَاعَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْعُجْبَ بِذَلِكَ كُلِّهِ قَبِيحٌ شَرْعًا وَلَا أَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا ، وَمِنْهُ مَا حَكَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ قَوْلِ فِرْعَوْنَ { أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي } مُتَطَاوِلًا بِذَلِكَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ