فهرس الكتاب

الصفحة 10001 من 27345

فإن الله سبحانه وتعالى لما أراد بأهل الأرض خيرًا أرسل إليهم محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق وأمره أن يبلغ هذا الدين لأمته ، فقام صلوات الله وسلامه عليه بهذا الأمر أتم قيام فما ترك خيرًا وصلاحًا إلا دل الأمة عليه وأمرهم به وبين لهم أسباب الوصول إليه ، وما ترك شرًا إلا وحذر الأمة منه ونهاهم عنه وبين لهم الطرق الموصلة إليه ليجتنبوه ، فما توفي عليه الصلاة والسلام إلا وقد بين لأمته كل ما تحتاج إليه ويصلحها في دنياها وأخراها . قال تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا } . وقال عليه الصلاة والسلام:"تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك". وقال أبو ذر رضي الله عنه:"ما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وذكر لنا منه علمًا".

وإن مما حذر منه عليه الصلاة والسلام ونهى عنه في آخر حياته وفي مرض موته صلى الله عليه وسلم إقامة اليهود والنصارى والمشركين في جزيرة العرب واستعانة المسلمين بالكفار في القتال وفي غيره ، والمستقرىء لكتاب الله العزيز يجد فيه النصوص الكثيرة في تحريم الركون إلى الكفار وموالاتهم والاستعانة بهم ، وكذلك في سنة النبي صلى الله عليه وسلم نصوص كثيرة متظافرة تنهى نهيًا مؤكدًا عن إقامة اليهود والنصارى والمشركين في جزيرة العرب ، وعن الاستعانة بالكفار والركون إليهم وموالاتهم كذلك ، وهذا ثابت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين والمسانيد والسنن وغيرها كما ستقف عليه إن شاء الله في أثناء هذا البحث ، ولما رأيت بعض الحكومات - التي تدعي الإسلام - في الجزيرة العربية قد تجاهلت مدلول هذه النصوص فسهلت الطريق لدخول اليهود والنصارى إلى الجزيرة ومكنتهم من الإقامة فيها وتكديس ترسانات أسلحتهم المتنوعة فيها لإرهاب المسلمين وتهديد استقرار الشعوب العربية المسلمة ومهاجمتهم بالأسلحة الفتاكة واستمرار الهجمات والضربات العسكرية عليهم من وقت لآخر . . . رأيت لزامًا عليَّ أن أبين هذه الحقيقة وفق ما يفهم من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام فكتبت هذا البحث المختصر وضمنته بعضًا من النصوص الواردة في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة في هذا الشأن كما ذكرت فيه جملة من أقوال علماء الأمة الذين أدوا الأمانة ووفوا بالعهود التي أخذها الله عليهم فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا .

ولقد عزمت على كتابة هذا البحث إبراءًا للذمة وأداءًا للأمانة واتقاءًا للوعيد الذي تضمنه قوله تعالى: { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون } .

والله أسأل أن ينفع به ويجعله خالصًا لوجهه الكريم .

حمود بن عبدالله بن عقلاء الشعيبي

الأستاذ سابقًا في كلية الشريعة وأصول الدين

في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

فرع القصيم 15 شوال 1419هـ

تمهيد

قبل الشروع في البحث لابد لي من تمهيد بين يديه تعرف من خلاله السبب الذي من أجله أوصى عليه الصلاة والسلام بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب ونهى عن الاستعانة بالكفار .

فأقول: أعلم وفقنا الله وإياك أنه منذ أشرق نور الإسلام في ربوع مكة المكرمة جُنَّ جنون أعداء الرسل من يهود ونصارى ومشركين ومنافقين فشمَّروا عن سواعدهم لمحاربة الإسلام ومعارضته وقاموا بحملات كلامية استهدفوا فيها شخص النبي صلى الله عليه وسلم حيث نعتوه بشتَّى نعوت الذم والعيب والتنقص ليشوهوا ما جاء به وينفروا عنه الناس فتارة قالوا ساحر ومرة قالوا شاعر وأخرى معلَّم مجنون وقالوا: مفترٍ ولكن الله سبحانه وتعالى ردَّ عليهم في كتابه العزيز ونفى كل هذه النعوت الكاذبة الحاقدة عن نبيه عليه الصلاة والسلام فقال { وما صاحبكم بمجنون } وقال: { فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون } . وقال:

{ وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين } . وقال: { إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلًا ماتؤمنون } إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي نزه الله بها نبيه عن تلك النعوت الكاذبة .

ولما لم تنجح هذه الأساليب في صد الناس عن اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام لجأوا إلى إيذاء أصحابه وأتباعه وتسلطوا عليهم بالتعذيب والإهانة والقتل أحيانًا رجاء أن يرجعوا عن اعتناقهم الإسلام واتباع

النبي صلى الله عليه وسلم ولما لم تكن هذه الأساليب ناجحة في صرف المسلمين عن اتباع نبيهم صلى الله عليه وسلم لجأ قتلة الأنبياء إلى محاولة القضاء على النبي صلى الله عليه وسلم فتارة وضعوا له السُّم في الطعام ومرة سحروه وأخرى حاولوا إلقاء حجر عليه من شاهق غير أن هذه المحاولات الحاقدة باءت بالفشل حيث حمى الله نبيه وأطلعه على هذه المحاولات الشريرة التي استهدفت القضاء على النبي وعلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت