في"إبداع"الرجل الأبيض
للتفرقة العنصرية
بعد ما تبين لنا أن التفرقة العنصرية إبداع"لوني"حديث !!! من أهم إبداعات الرجل الأبيض ألأورأمريكي لا يقل"فخرا"عن إبداعاته التنويرية والحداثية الأخرى !! وأنه نشأ مع نظام الرق والاستعمار الاستيطاني اللذين صاحبا غزوه للقارة الأمريكية ..
يصبح من المشروع طرح السؤال الآتي:
هل يمكن التفاؤل بان العنصرية الأوروأمريكية تسير في طريق الاضمحلال ؟
وهل قضت القوانين الخاصة بالحقوق المدنية على مدى عشرات السنين الأخيرة على التعصب والتفرقة العنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية ؟ وهل يتمتع الزنوج في أمريكا اليوم بالفرص نفسها التي يتمتع بها البيض ؟
هكذا يتساءل كافين في كتابه ( الغرب والعالم )
وبعد أن يشير إلى أنه من الأرجح أن كافة الأمريكيين البيض سيجيبون على جميع هذه الأسئلة بالإيجاب وأن كثيرا من الأمريكيين البيض مقتنع بأن الاهتمام الموجه إلى العنصرية في العقد الماضي قد تجاوز حد المساواة بين البيض والسود وأدى إلى منح السود مكانة متميزة
يذكر ما ورد في تقرير اللجنة الاستشارية القومية عن الاضطرابات المدنية عام 1968 في قولها:"إن أمتنا سائرة في طريق الانقسام إلى مجتمعين منفصلين غير متكافئين: أحدهما أسود والآخر أبيض"
وذكرت اللجنة: أن إحدى المشكلات هي البون الشاسع بين دخول الأسر البيضاء والأسر السوداء ، وهو أمر ذو خطر عظيم في مجتمع يحكم على الناس بمعيار ما يحققون من دخل ، وان مصلحة الإحصاء أثبتت أن أحوال الزنوج في السنوات التالية على 1969 ازدادت سوءا .ص 237 -238
ثم يقرر المؤلف رأيه في ( أن العنصرية لم تنته وإنما ظهرت ألوان جديدة من العنصرية ومن الجائز أنها أصبحت ضربا من التمييز الطبقي ) ص 238
وبالرغم من أن تطور مجتمعات الرق في الدنيا الجديدة كان علة استفحال العنصرية البيضاء إلا أن الاسترقاق الأمريكي لم يكن هو العنصر الأكبر في سريان عقيدة العنصرية بين السادة البيض ، بدليل أن جراثيم الثقافة العنصرية البيضاء كانت قائمة في أوربا قبل كولمبوس - أي قبل اكتشاف الدنيا الجديدة -
كما أن المجتمعات الأخرى التي استوردت معظم الرقيق من الأفارقة لم تكن أكثرها عنصرية ، ففي ذروة نظام الرق في منتصف القرن التاسع عشر كان لدى الولايات المتحدة أدنى نسبة من الأفارقة ، ونشأت فيها في الوقت نفسه"فلسفة"ملاك العبيد"الجنوبيين وهي من اكثر العقائد التي ظهرت على وجه الأرض عنصرية"
هذه الحقيقة وحدها ينبغي أن تحملنا على الشك في الاعتقاد الشائع بان العنصرية الأمريكية قد تداعت باختفاء الرق .
فإذا كانت أشد مجتمعات الرق نموا أقلها عنصرية - في أمريكا اللاتينية - فربما كانت أشد المجتمعات عنصرية هي أقلها انخراطا في الرق . وهذه بعينها هي النتيجة التي خلص إليها الأرستقراطي الفرنسي"ألكسيس دي توكفيل"عند زيارته للولايات المتحدة فقد ذكر في كتابه
"الديموقراطية في أمريكا"قائلا:"إن التعصب العنصري أظهر في الولايات التي ألغت الرق من الولايات التي أبقت عليه وهو أقوى في البلاد التي لم تعرفه ألبتة"ص 239 (!!)
ودلالة ذلك تكمن في أن ظاهرة العنصرية أرسخ وأبقى في الثقافة الأمريكية والأوربية من ظاهرة الرق متجاوزة إياه إلى ظاهرة اللون
فقوانين جيم كرو - وهي لفظة تحقير تطلق على الزنوج - التي أباحت التفرقة العنصرية في كل شيء: من عنابر الولادة إلى المدافن أجيزت في الشمال أولا قبل الحرب الأهلية ولم تقتبس ولايات الجنوب - وهي الأكثر انتشارا للرق - هذه الإجراءات إلا بعد إلغاء الرق !! .)
فقد كان البيض والسود مختلطين في كل مكان في الجنوب القديم - كما كانوا في مزارع أمريكا اللاتينية - تربطهم اواصر المودة ، فكانوا يجتمعون على الطعام وعلى حضانة الأولاد وعلى الشراب وعلى السباب وعلى الفراش ، ولم تكن هناك مسافة مادية تفصل بين العنصرين لأن المسافة الاجتماعية كانت شاسعة فلم يكن هناك خطر من اقتراب المسافة المادية ، وطالما كان الرقيق يعرفون مكانهم الاجتماعي فقد كان بوسعهم أن يسيروا وان يتحدثوا وأن يصلوا وان يرقدوا في سلام جنبا إلى جنب مع أسيادهم ، فلما أعتق الرقيق في ولايات الشمال أولا ثم في ولايات الجنوب ثانيا نتيجة إلغاء القانون أصيبت المسافة الاجتماعية بالتقارب فحلت المسافة المادية محلها في ضمان التباعد