فهرس الكتاب

الصفحة 9176 من 27345

أولًا: المقَدمة

تقديم: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضّل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد:

فإن القرآن الكريم كلام الله جل وعلا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم هداية للناس ومرشدًا إلى الصراط المستقيم، وتكفل الله بحفظه إلى يوم القيامة ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:9) .

ولقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبليغ هذا الكتاب وتعليمه لأمته حتى غدت على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وقام صحابته من بعده بحمل رسالة الإسلام، مهتدين ومستمسكين بالقرآن العظيم والسنة المطهرة.

ولأن القرآن تنزّل عليهم وسمعوه من المصطفى صلى الله عليه وسلم فقد كانوا خير من يفقهه ويعمل بما فيه، ولذلك فقد أولوه جلّ عنايتهم، تعليمًا وتفسيرًا وتطبيقًا، ولا غرو في ذلك فهم خير القرون وسادة الأمم وقدوة الأجيال.

وسار سلف هذه الأمة على ما سار عليه أولئك الرجال، وتتابعت الأجيال جيلا بعد جيل تحمل هذا القرآن وتتسابق في بيانه، والعمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه.

وعلى مرّ السنين والقرون، ومع ما بذل ويبذل نحو هذا الكتاب العزيز فإنه لا ينقضي عجائبه، ولا تفنى ذخائره، ولا تبلى روائعه، قوي البنيان، ثابت الأركان، واضح البيان.

ولقد تأملت في واقع أمتنا في هذا العصر، فرأيت أنها مهيضة الجناح، تتقاذفها الأمواج، وتميل بها الرياح، تلتفت يمينًا وشمالا تبحث عن منقذ لها، ومركب النجاة بين يديها، تأوي إلى الغرب وتهوي إلى الشرق ويتآمر عليها شراذم البشر وشرار الخليقة وعزّتها ونصرتها ومنعتها باللجوء إلى كتاب ربها، ولكن يا ليت قومي يعلمون فيعملون.

وفي السنوات الأخيرة رأيت كيف أصبحت الدول تعيش في قلاقل ومحن، وباتت الشعوب - وبالأخص الشعوب الإسلامية - لا تأمن على حياتها وممتلكاتها، فلم يعد الإنسان يطمئن إلى عهد ولا إلى ميثاق، توقّع العهود في الصباح وتنقض في المساء،أنشئت الهيئات والمنظمات الدولية، ولكنها أصبحت كلا على الضعفاء وسلاحًا فتّاكًا بيد الأقوياء، وسادت شريعة الغاب ومملكة البحار، القوي يأكل الضعيف، والكبير يقضي على الصغير بل حتى على مستوى الأفراد والجماعات لم يعد للعهود مكانًا، ولا للمواثيق احترامًا، إلا ما ندر ممن يؤمن بالله واتخذ القرآن له دستورًا وأمانًا، وأدركت أن من أسباب شقاء هذه الأمة وبؤسها بعدها عن كتاب ربها، وعدم التزام كثير من أفرادها بعهود الله ومواثيقه، في العقيدة والسلوك والمعاملات والأخلاق والتقدير، ولذلك اختلت الموازين والقيم، وضعفت الأمة وامتلأت المحاكم والسجون، والأكثر حر طليق.

ولإيماني بكتاب ربي طفقت أبحث عن العلاج بين سوره وآياته، فوجدت ذلك جليًا واضحًا، فقد أثار انتباهي كثرة الآيات التي وردت في قضية العهد والميثاق، وشمولها لجميع العصور والأزمنة، منذ أن خلق الله أبانا آدم - عليه السلام - وأخرج الذرية من ظهره فأخذ عليهم العهد والميثاق، إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم - وما جرى على يديه من عهود ومواثيق، بل إن ما يشدّ الانتباه في حديث القرآن عن العهد والميثاق عدم اقتصاره على جانب معين، بل إنّه يتحدث عن العهد والميثاق في جوانب التوحيد والعبادة، ويتحدث عنه في جانب العلاقات الدولية وهكذا، إلى أخصّ أمور الناس كحديثه عن الميثاق في العلاقات الزوجية، وعلاقة الابن بأبيه كقصة يعقوب وبنيه.

ومن هنا ولتخصصي في القرآن وعلومه جاء اختياري لموضوع العهد والميثاق في القرآن الكريم، ورأيت أن هذا موضوع يحتاج إلى جهد وبيان، ودراسة وتوثيق.

ولقد شعرت بصعوبة الموضوع ومشقته، وجلست قرابة ستة أشهر أفكر فيه ومدى قدرتي عليه، فاستشرت (1) واستخرت ثم عزمت وعلى الله توكلت.

وبعد أن استوعبت الموضوع من خلال تنقلي بين المصادر والمراجع واستشارة ذوي الاختصاص وضعت مخططًا عامًا ثم نقحته بعد ذلك أثناء شروعي في كتابة الموضوع حتى أصبح بشكله النهائي الذي هو عليه الآن.

وقد رأيت أن أقسّمه إلى مباحث دون الفصول والأبواب، لأن ذلك هو الأقرب إلى التفسير الموضوعي، وبالأخص مثل هذا الموضوع (العهد والميثاق) وتحت كل مبحث عدد من الفقرات والجزئيات. وقد جاء البحث في أربعة مباحث وخاتمة كما يلي:

المبحث الأول:

وقد اشتمل على ما يتعلق بمعنى العهد الميثاق، وورودهما في القرآن الكريم، وألحقت بذلك أمثلة من ورود العهد والميثاق في السنة النبوية إتمامًا للفائدة ولذلك فقد جاء هذا المبحث كما يلي:

(1) - ممن أشار بهذا الموضوع أستاذي د. أحمد حسن فرحات، والأستاذ الدكتور مصطفى مسلم حيث ساعدني أيضًا في وضع المخطط، فلهما مني جزيل الشكر والتقدير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت