فهرس الكتاب

الصفحة 3150 من 27345

الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد*

الحمد لله الذي كتب الموت على كل حي، ولم يستثن منهم أحب خلقه وعباده إليه، بل أذاقه رسله وأنبياءه، بل وأصفى أصفيائه وأحب أحبائه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، فقال عز من قائل: (إنك ميت وإنهم ميتون) ، وقال: ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن متَّ فهم الخالدون) . (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) ، وقال: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أوقتل انقلبتم على أعقابكم) ، وصحَّ فيما يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه: (( وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولابد منه ) ). [رواه البخاري]

وبعد..

جاء في تفسير قوله تعالى: (والتفت الساق بالساق) ، كما قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله عن كثير من السلف:"أن المراد بذلك اجتماع سكرة الموت مع حسرة الفوت"؛ فلا يسأل عن سوء حاله، ولا رداءة مآله.

فالسعيد من طاب للموت وطاب له الموت، فجعل يشتاق إلى لقاء ربه لاستعداده لذلك، وتوقعه لما هنالك، والشقي من اجتمعت عليه الحسرتان، وتطابقت عليه الشدتان، واستبان له الخسران، وواجه مغبة التسويف، والمماطلة، والنسيان.

اعلم أخي الكريم أن للموت سكرات وأي سكرات؟! قال تعالى: (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد) ؛ وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن للموت سكرات ) )؛ وروي:"إن الموت أشد من ضرب بالسيوف، ونشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض"؛ ولهذا قال عيسى عليه السلام:"يا معشر الحواريين ادعوا الله أن يهوِّن عليكم هذه السكرة"، وقال لحوارييه:"ادعوا الله أن يخفف عني الموت، فقد خفت الموت خوفًا أوقفني مخافة الموت على الموت"؛ وروي عنه أنه لما قبض إبراهيم عليه السلام قال له عز وجل:"كيف وجدتَ الموت؟ قال: يارب، كأن نفسي تنزع بالسَّلى؛ فقال: هذا وقد هونا عليك الموت"؛ وقال لموسى:"كيف وجدت طعم الموت؟ قال: وجدته كسفود أدخل في صوف فاجتذب؛ قال: هذا وقد هونا عليك الموت".

إذا كانت هذه حال أولي العزم عند الموت، وقد هونه الله عليهم، فكيف تكون حالنا نحن يا ترى؟!

إن كنا نحن أبناء الموتى، وأن الله نعى إلينا نبينا صلى الله عليه وسلم ونعانا إلى أنفسنا، فما منا من أحد إلا وهو يحمل أصل شهادة وفاته، وما يستخرج له من شهادة بعد وفاته إن هي إلا صورة من تلك الشهادة:"إنك ميت وإنهم ميتون"،"كل نفس ذائقة الموت"، التي هي توقيع بخراب الدنيا، كما قال الحافظ ابن الجوزي؛ نعى رجلٌ لرجلٍ أخاه وقد وجده يتغدى، فقال: ادنُ تغدَّ، فقد نُعِيَ إليَّ أخي من قبل؛ فتعجب الرجل، من نعاه إليه وهو أول قادم؟ فتلى عليه: (إنك ميت وإنهم ميتون) ؛ وأرواحنا عارية في أجسادنا، ولابد لصاحب العارية من ردها وقبضها.

لهذا علينا أن نكثر من ذكر هادم اللذات، ومفرق الجماعات، وميتم البنين والبنات، ومؤيم الأزواج والزوجات، ومنغص العيشات، وعلينا أن نستعد له بتجديد التوبات، والحرص على الطاعات، والبعد عن المحرمات، والاستعداد للممات، والحذر من اجتماع الحسرات، والانغماس في الشهوات، واغتنام الفرص، والاستفادة من الأوقات.

ألم تعلم أخي الكريم أن إسرافيل ملتقم بوقه للنفخة الأولى قبل حين؟ وأن الساعة كادت أن تسبق بعثة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ؟ وأن أعمار هذه الأمة تتراوح بين الستين والسبعين، وقليل من يجاوز ذلك؟ فقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين، وقليل من يجاوز ذلك، وقال: (( أعذر الله إلى من بلَّغه ستين من عمره، وروي عنه أنه قال: (( معترك المنايا بين الستين إلى السبعين ) )، وفي حديث آخر: (( إن لكل شيء حصادًا، وحصاد أمتي ما بين الستين إلى السبعين ) )، وفي هذا المعترك قُبض النبي صلى الله عليه وسلم، قال سفيان الثوري: من بلغ سن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليتخذ لنفسه كفنًا.

قال الفضيل بن عياض رحمه الله لرجل: كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة؛ قال له: أنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك، يوشك أن تبلغ؛ فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ فقال الفضيل: من علم أنه لله عبد، وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف، وأنه مسؤول، فليعد للمسألة جوابًا؛ فقال الرجل: ما الحيلة؟ قال: يسيرة؛ قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، فإنك إن أسأتَ فيما بقي أخذتَ بما مضى وبقي.

وأنت أخي الشاب، لا تأمن مكر الله، ولاتأمن الموت، ولا تظن أنك في أمان منه، فقد يموت الصغير، ويعمر الشيخ الكبير، ويهلك الصحيح، ويصحُّ المريض؛ فكم من صغير دفنتَ، وشاب وشابة واريتَ؟ وكم من عروس قبرتَ؟ وشيخ عجوز عاصرتَ؟ فقد مات أبناء وبنات رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم قبله إلا فاطمة، ومات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز قبله،ـ هذا على سبيل المثال لا الحصرـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت