يتناول الدرس وسيلم من الوسائل التي تفتقت عنها أذهان الحاقدين على هذا الدين وابتكروها لكي يفسدوا فيه ويتحكموا في رقاب وقرارات أهل الإسلام من خلال ولقعة تاريخية في بعض ديار المسلمين،و ما أشبه اليوم بالبارحة .
عندما احتل البرتغاليون عدن [919 هـ] رفض أهلها هذا الاحتلال، وقاوموه بما يملكون، لكن استطاع البرتغاليون أن يقهروا السكان بما يحوزون من أسلحة نارية حديثة، واضطر القسم الأكبر من العدنيين إلى ترك موطنهم، واللجوء إلى الأراضي المجاورة لبلدهم حيث عُرفوا هناك باسم: اللاجئين، وكانوا يحصلون على المساعدات من جيرانهم ومن جهات أخرى لتأمين حياتهم المعاشية، وأجبر القسم الآخر من العدنيين على الخنوع والبقاء في ديارهم تحت عصا الذل، وسيف الإرهاب مقهورين على ذلك ومجبرين.
حاول البرتغاليون التعاون مع جيران عدن فلم يُفلحوا، بل ازدروا من قبل السكان واحتقروا؛ إذ لهم ماضٍ مع المسلمين في الأندلس، وهم يختلفون عن أهالي عدن وسكان المناطق المجاورة لها كلهم عقيدة وجنسًا، فأهل عدن وما جاورها مسلمون عرب، والمغتصبون نصارى برتغاليون، والعداء قائم، والحروب الصليبية لا تزال قائمة، وإن لبست ثوبًا جديدًا من الاقتصاد.
حرصت الدول المجاورة- وخاصة مصر التي يحكمها المماليك يومذاك، وتبسط سيطرتها على حوض البحر الأحمر- أن تقاتل المغتصبين، وتطردهم، ولكنها كانت قد هُزمت أمامهم في معركة [ديو] البحرية قرب شواطئ الهند عام [ 915هـ] وحاولت الإمارات المجاورة لعدن أيضًا غير أنها قد باءت بالفشل في عدّة جولات.
حاولت البرتغال أن تمد قنواتٍ بينها وبين حُكّام الدول المجاورة عن طريق المال، وعن طريق الدعم بالسلاح، وعن طريق المصالح- وقد نجحت- وبدأ التعاون غير أنه بعيد عن أعين السكان، وفي سرية تامة، إذ كان الشعب يرفض هذا التعاون رفضًا تامًا، ويأبى ذلك أشدّ الإباء؛ إذ ليس للشعب مصلحة في ذلك، وإنما هدفه طرد الدخيل المغتصب، البرتغاليين الصليبيين، الأعداء قديمًا وحديثًا، والذين ما جاءوا إلا حقدًا على الإسلام، وتشفيّا من المسلمين، راغبين في إذلالهم وإبادتهم إن استطاعوا. بينما كان لحكام ذلك العصر مصالح يهدفون من ورائها القوة، والدعم، والمال، والتمكين.
أظهر المسئولون في تلك الدويلات أنهم يُعادون البرتغاليين، ويرفضون التعاون معهم، ويأبون الجلوس معهم على طاولة واحدةٍ، أو يضمّهم معًا مجلس واحد، والواقع غير هذا يلتقون سرًا، ويجتمعون معًا، ولكن يقولون للشعب ما يحبه الشعب ويوافق عليه، ويفعلون بعد ذلك ما يروق لهم، وزيادةً في المغالطة وتعميةً على الشعب فإن البرتغاليين يُهاجمون المسئولين عن تلك الدويلات العربية القائمة التي تُجاور عدن ويتهمونهم، وفي خضم هذه الأحداث يعيش الشعب في دوامة، ولا يعرف أني يسير، ولا أين الحقيقة!
لم يجرؤ واحد من المسئولين أن يُعلن عن ضرورة الاعتراف بالواقع الذي هو الصلة بين المغتصبين والمسئولين عن الدويلات، وأنهم قد اعترفوا باستعمار البرتغاليين لعدن، وأقاموا فيها حكم أصبح كإحدى الحكومات الموجودة في المنطقة، وأن من المصلحة كل المصلحة أن يكون التعاون على هذا الأساس، وأن يقوم السلام في هذه المنطقة، وينتهي وضع التوتر القائم، فقد كفى البقعة حروبًا. وقد طال الوقت دون ظهور هذه الجرأة الكافية لإعلان الخيانة، فكل يخشى الشعب ويخاف على مركزه.
كان المخطط الصليبي يقضي أن يتقدّم كل حاكمٍ خطوةً لذا كثر الذين توالوا على الزعامة، وكثر عدد الذين أيّدتهم الدول الصليبية؛ ليقطعوا خطوةً أطول، أو يسيروا شوطًا، فقد طالت المدة وزادت على خمسة عشر عامًا. ولكن برزت فكرة جديدة وهي أن يتولى حل المشكلة أحد أبناء عدن بالذات من الذين يعيشون خارج مدينة عدن؛ ليكون بعيدًا عن البرتغاليين رغم أنهم أحد أطراف اللعبة، ولتكون له الحرية.