بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
تمهيد
من خلال هذه المقالات نعرض قضية فلسطين من خلال التصور الإيماني النابع من منهاج الله، وندرك أنَّ أهلها وأصحابها ومن لهم الحقّ فيها هم الأمة المسلمة الواحدة، وأنَّ فلسطين بكل قدسيتها وجلالها وبركتها جزء من دار الإسلام، وأمانة في عنق الأمة المسلمة، ملكًا تحميه أمة قوية عزيزة، هي خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله لا تشرك به شيئًا أبدًا.
(الحلقة الأولى )
فلسطين
بين التاريخ والإيمان
1-لمحة من تاريخ فلسطين القديم:
أرض فلسطين أرض التاريخ العميق، وأرض النبوة الممتدة، وأرض الإسلام والمسلمين.
يروي لنا التاريخ أنها حملت أسماء مختلفة على مرّ العصور. فقد سمّى قدماء المصريين جنوب فلسطين"خارو"، وشمالها"رتينو". كما سميت بأرض كنعان نسبة إلى الكنعانيين الذين كانوا من القبائل العربية التي استوطنت فلسطين منذ سنة (2500 ق. م ) . أما اسم"فلسطين"فهي اللفظة المعرّبة لاسم"بالسْتين"الذي كان يطلق على البلاد، والمأخوذ من اسم الشعب الذي يسكن السهول الشمالية والجنوبية من فلسطين، و الذي يُسمى"الفلستينيون". ومن أقدم الإشارات التاريخية لهذه التسمية لفظة"بلاستو"التي أطلقها الملك الآشوري ليشير إلى ساحل"فلستيا". وقد أطلق الإمبراطور الروماني"فسباسيان"اسم"بالسْتين"على البلاد. ولعله نقله عن اليونان الذين أطلقوا هذه اللفظة أو ما يشبهها على هذه البقعة من الأرض.
لقد عرفت فلسطين عبر التاريخ القديم سلسلة من الهجرات العربية والسامية، وسلسلة طويلة من الحروب والغزوات، وسلسلة من الشعوب التي مرّت بها أو أقامت فيها أو حكمتها. فبالإضافة إلى الكنعانيين العرب، كما ذكرنا قبل قليل، فقد هاجر إليها وأقام بها عدد من القبائل السامية: كالآموريين، والجيوبون والغرغازيين والبرزيين واليبوسيين. وجاء كذلك الحثّيون، والفلسطينيون، والبابليون والآشوريون، والكلدانيون، وغزاها اليونانيون والفرس والرومان، حكمها الأنباط بحدود سنة (300 ق. م ) كذلك.
وكان اليهود من بين الشعوب التي دخلت فلسطين، إلا أنهم دخلوها أول مرة يحملون رسالة الإسلام، كما سنوضّح بعد قليل. وحين أتوا إلى فلسطين كانت فلسطين آهلة بسكانها، غنيّة برقيها المادي، قوية بعدتها. ونلمس هذه القوة المادية في إشارة القرآن الكريم إلى ذلك، حين طلب موسى عليه السلام من قومه أن يدخلوا فلسطين حاملين الإيمان والتوحيد ورسالة الإسلام أجابوه:
( قالوا يا موسى إنَّ فيها قومًا جبارين وإنَّا لن ندخلها حتّى يخْرجوا منها فإنْ يخرجوا منها فإنَّا داخلون )
[ المائدة: 22 ]
فكلمة"جبارين"تشير إلى القوة المادية لدى سكانها آنذاك، حتى حسب اليهود لهم هذا الحساب وجبنوا عن حمل الأمانة.
لقد كانت أرض فلسطين مفتاح الشرق لكل غاز منذ أقدم العصور. ذلك أن من يحتل فلسطين يستطيع أن يتحرك شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، ويستطيع أن يقفز إلى ثلاث قارات، ويستطيع أن يتحرك برًّا وبحرًا.
وهي تُكَوِّن مع سائر بلاد الشام موقعًا يزيد خطورة وأهمية. فهي تُكَوِّن مع بلاد الشام والجزيرة العربية موقعًا وسطًا، خرجت منه أمة وسطًا ليكونوا شهداء على الناس، ألا وهي أمة الإسلام.
( وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إنّ الله بالنَّاس لرؤوف رحيم ) .
[ البقرة: 143 ]
لذلك كانت أرض فلسطين ميدان الرسالة السماوية، وميدان النبوّات والرسل. والرسالة السماوية في جميع العصور هي رسالة واحدة، هي رسالة الإسلام التي جاء بها جميع النبيين والمرسلين، والتي خُتمت برسالة محمد صلى الله عليه وسلّم، هي رسالة التوحيد والإيمان.
2-فلسطين والنبوة:
يكاد يكون لجميع الأنبياء والرسل الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم صلة بفلسطين، فنبيّ يمرّ بها، ونبيّ يدعو فيها، ونبيّ يُدفن فيها. وعيسى عليه السلام رفعه الله إليه منها، ومحمد صلى الله عليه وسلّم أُسري به إليها، وأمَّ الأنبياء في المسجد الأقصى، وعُرج به إلى السماء منها.
ويروي الحافظ بن كثير في كتابه البداية والنهاية أن صلاح الدين الأيوبي زار قبر شعيب عليه السلام عند قرية"حطين"، قرب مدينة طبرية في فلسطين.
والنبي صالح عليه السلام بعثه الله إلى ثمود وكانت مساكنهم"بالحجر"في المكان الذي يعرف اليوم"بمدائن صالح"بين الشام في الجنوب الشرقي من أرض مدين.وفي بعض الروايات قيل إن صالحًا عليه السلام والذين نجوا معه ذهبوا إلى"الرملة"أو غيرها من أرض فلسطين. وقيل ذهبوا إلى حضرموت، وقيل إلى مكة المكرمة.
وعند البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلّم أنه قال: